يا سائلا تجويد ذا القرآن ... فخذ هديت عن أولي الإتقان
تجويده فرض كما الصلاة ... جاءت به الأخبار والآيات
وجاحد التجويد فهو كافر ... فدع هواه إنه لخاسر
وغير جاحد الوجوب حكمه ... معذّب وبعد ذاك إنّه
يؤتى به لروضة الجنّات ... كغيره من سائر العصاة
إذ الصلاة منهم لا تقبل ... ولعنة المولى عليهم تنزل
لأنهم كتاب ربّي حرّفوا ... وعن طريق الحق زاغوا فانتفوا
وقال الشمس ابن الجزري في نشره: «التجويد فرض على كل مكلّف» ثم قال رحمه الله تعالى: «وإنما قلت التجويد فرض لأنه متفق عليه بين الأئمة، بخلاف
الواجب فإنه مختلف فيه». وقال ابن غازي في شرحه على الجزرية: «ولم ينفرد ابن الجزري بذكر فرضية التجويد، فقد ذكر عن أبي عبد الله نضر بن الشيرازي مصنّف الموضح، وعن الفخر الرازي، وعن جماعة من شيوخه أيضا، ووافقه على ذلك الحافظ جلال الدين السيوطي في الإتقان، والحافظ أحمد القسطلاني الخطيب في لطائف الإشارات، وذكره النويري في شرحه على الطيبة، وذكره قبله مكي بن أبي طالب، وأبو عمرو الداني وغيرهم من المشايخ العالمين بتحقيق القراءات وتدقيقها حسبما وصل إليهم من الحضرة النبوية الأفصحية. وإنما تركت نصوصهم مع القدرة عليها بعون الله اكتفاء بما ذكرته عن ابن الجزري. وكان شيخنا الشيخ نور الدين المنزلي يقول: لا يجوز لشيخ أن يقدم على إقراء الناس حتى يعرف ثلاثة علوم: علم الرسم، وعلم التجويد، وعلم القراءات. ويعلّل بأنه ربما رأى شيئا في المصاحف من الرسم المجمع عليه فيغيّره، وربما رأى قراءة تخالف محفوظه فيغيّرها، فيحرم عليه. وقال بعض شراح الجزرية في قوله:
من لم يجوّد القرآن آثم أي معاقب على ترك التجويد، كذّاب على الله ورسوله، داخل في حيّز قوله تعالى:
{وَيَوْمَ الْقِيََامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللََّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} [الزّمر: الآية 60] وقوله عليه الصلاة والسلام: «من كذب عليّ عامدا (أو متعمدا) فليتبوأ مقعده من النار» . والأحاديث والآيات في ذلك كثيرة مشهورة لا تحتملها هذه الرسالة، ومن أراد الإكثار من ذلك فليراجع شروح الجزرية وغيرها من كتب هذا الفن. وقد أفتى الإمام أبو الخير محمد بن الجزري بأن من استأجر شخصا ليقرئه القرآن أو ليقرأ له ختمة، فأقرأه القرآن أو قرأ له الختمة بغير تجويد، لا يستحق الأجرة، ومن حلف أن القرآن بغير تجويد ليس قرآنا لم يحنث» اه. هذا ما يتعلق بحكم التجويد.
فإعطاء كلّ حرف حقّه أي من كل صفة ثابتة له من الصفات الآتية، ومستحقّه بفتح الحاء: أي ما ينشأ عن تلك الصفات كترقيق المستفل، وتفخيم المستعلي، ونحوهما، مع بلوغ الغاية والنهاية في إتقان الحروف وتحسينها وخلوّها من الزيادة والنقص، وبراءتها من الرداءة في النطق، والإدمان في تحرير مخارجها وبيان صفاتها بحيث يصير ذلك للقارئ سجية وطبيعة، سواء كانت تلك الحروف أصلية أو فرعية مركّبة أو مفردة، فإذا لم يعط القارئ الحروف حقّها ومستحقّها ربما تغيّر مدلول الكلمة، وفهم منها معنى آخر نحو قوله: {وَعَصى ََ} [طه: الآية 121] وغيرها و {مَحْظُورًا}
[الإسراء: الآية 20] فإنه إذا لم يعط كلّا من الصاد المهملة والظاء المشالة حقّه من الاستعلاء والإطباق صارت الصاد المهملة سينا والظاء المشالة ذالا معجمة ويصير اللفظ «عسى» و «محذورا» ! تنبيه: في الفرق بين حقّ الحروف ومستحقّها: