فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 259

فإعطاء كلّ حرف حقّه أي من كل صفة ثابتة له من الصفات الآتية، ومستحقّه بفتح الحاء: أي ما ينشأ عن تلك الصفات كترقيق المستفل، وتفخيم المستعلي، ونحوهما، مع بلوغ الغاية والنهاية في إتقان الحروف وتحسينها وخلوّها من الزيادة والنقص، وبراءتها من الرداءة في النطق، والإدمان في تحرير مخارجها وبيان صفاتها بحيث يصير ذلك للقارئ سجية وطبيعة، سواء كانت تلك الحروف أصلية أو فرعية مركّبة أو مفردة، فإذا لم يعط القارئ الحروف حقّها ومستحقّها ربما تغيّر مدلول الكلمة، وفهم منها معنى آخر نحو قوله: {وَعَصى ََ} [طه: الآية 121] وغيرها و {مَحْظُورًا}

[الإسراء: الآية 20] فإنه إذا لم يعط كلّا من الصاد المهملة والظاء المشالة حقّه من الاستعلاء والإطباق صارت الصاد المهملة سينا والظاء المشالة ذالا معجمة ويصير اللفظ «عسى» و «محذورا» ! تنبيه: في الفرق بين حقّ الحروف ومستحقّها:

اعلم أن حق الحروف صفاتها الذاتية اللازمة لها كالجهر والشدة والاستعلاء، فإنها لازمة لذوات بعض الحروف، غير منفكة عنها، فإن انفكت يكون الانفكاك لحنا جليّا في بعض الصفات، ولحنا خفيّا في بعض، وأن مستحقها ما ينشأ عن تلك الصفات الذاتية اللازمة كالتفخيم فإنّه ناشئ عن كلّ من الاستعلاء والتكرير، وكالترقيق فإنه ناشئ عن الاستفال، وذلك أن التفخيم الناشئ عن الاستعلاء والتكرير يكون في الحرف حال سكونه وتحريكه بالفتح والضم فقط، وأما حال تحريكه بالكسر فلا يوجد فيه التفخيم بل ضدّه وهو الترقيق لأن بين الكسر والتفخيم مانعة الجمع إذ الكسر يستدعي انخفاض اللسان، والتفخيم يستدعي ارتفاعه، وأن الترقيق الناشئ عن الاستفال المذكور يكون في الراء حال كسرها، وفي اللام إذا لم تكن في الاسم الجليل وقبلها فتح أو ضمّ: فلا يكون فيها ترقيق مع أنها مستفلة أيضا. قال أبو عمرو الداني رحمه الله تعالى: «ينبغي للقارئ أن يعوّد نفسه على تفقّد الحروف التي لا يوصل إلى حقيقة اللفظ بها إلا بالرياضة الشديدة والتلاوة الكثيرة مع العلم بحقائقها والمعرفة بمنازلها فيعطى كلّ حرف منها حقّه من المدّ إن كان ممدودا ومن التّمكن إن كان متمكنّا، ومن الهمز إن كان مهموزا، ومن الإدغام إن كان مدغما، ومن الإظهار إن كان مظهرا، ومن الإخفاء إن كان مخفيّا، ومن الحركة إن كان محرّكا، ومن السكون إن كان مسكّنا، ويكون ذلك على حسب ما يتلقاه من أفواه المشايخ العارفين بكيفية أداء القراءة حسبما وصل إليهم من مشايخهم من الحضرة النبوية العربية الأفصحية، لا مجرد اقتصار على النقل من الكتب المدوّنة أو اكتفاء بالعقل المختلف الأفكار، ولله درّ الحافظ ابن الجزري حيث قال: «ولا أعلم سببا لبلوغ نهاية الإتقان والتجويد، ووصول غاية التصحيح والتسديد، مثل رياضة الألسن والتكرار على اللفظ المتلقّى من فم المحسّن، وأنت ترى تجويد حروف الكتابة كيف يبلغها الكاتب بالرياضة أو التكرار وتوقيف الأستاذ» . ولله درّ الحافظ أبي عمرو الداني رحمه الله حيث يقول: «ليس بين التجويد وتركه إلا رياضة لمن تدبره بفكّه فلقد صدق وبصر وأوجز في القول وما قصّر، فإذا أحكم القارئ النطق بكل حرف على حدته موفيا حقّه، فليعمل

نفسه بإحكامه حالة التركيب لأنه ينشأ عن التركيب ما لم يكن حالة الإفراد، وذلك ظاهر فكم ممن يحسن الحروف مفردة ولا يحسنها مركبة، بحسب ما يجاورها من مجانس ومقارب وقوي وضعيف ومفخّم ومرقّق، فيجذب القويّ الضعيف، ويغلب المفخّم المرقق، فيصعب على اللسان النطق بذلك على حقّه إلا بالرياضة الشديدة حالة التركيب فمن أحكم صحة التلفظ حالة التركيب حصّل حقيقة التجويد بالإتقان والتدريب. [اه. ابن غازي مع بعض زيادة من شرح الجزرية لبعضهم] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت