فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 259

ثم اعلم أن هذه الألقاب المذكورة لا تنافي تقسيم بعضهم المدّ إلى لازم وواجب وجائز، فأدرج في اللازم الكلميّ والحرفيّ، وجعل في الواجب المتصل وحده، وجعل في الجائز المنفصل والعارض، وفرضوا ذلك فرعيّا، وجعلوا ما عدا ذلك أصليّا، وعنوا بالأصلي المدّ الطبيعي الذي تقدّم ذكره، وبالفرعي اللازم والواجب والجائز لأن هذه الألقاب لتلك المدود لا يضرّ فيها تعدّد اللقب لشيء واحد [اه. غنية الطالبين] .

وفيه تسعة فصول وتتمة.

الفصل الأول في الحثّ على تعلّم الوقف والابتداء وتعليمهما ليكون الشخص على بصيرة فيهما

اعلم أن هذا الباب مما ينبغي للقارئ أن يهتم بمعرفته ويصرف في إتقانه أكبر همّته، حتى إن بعضهم جعل تعلم الوقف واجبا لما ورد أن عليّا رضي الله عنه سئل عن قوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمّل: الآية 4] فقال: «الترتيل تجويد الحروف ومعرفة الوقوف» . وبما ورد عن ابن عمر أنه قال: لقد عشنا برهة من دهرنا وإنّ أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على النبيّ صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها وأمرها وزجرها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها». قال ابن الجزري في النشر: ففي كلام علي رضي الله عنه دليل على وجوب تعلمه ومعرفته، وفي كلام ابن عمر رضي الله عنهما برهان على أن تعلمه إجماع من الصحابة رضي الله عنهم، وصحّ، بل تواتر عندنا، تعلّمه والاعتناء به من السلف الصالح كأبي جعفر يزيد بن القعقاع إمام أهل المدينة الذي وهو من أعيان التابعين، وصاحبه الإمام نافع بن أبي نعيم، وأبي عمرو بن العلاء، ويعقوب الحضرمي، وعاصم بن أبي النجود، وغيرهم من الأئمة، وكلامهم في ذلك معروف، ونصوصهم عليه مشهورة من الكتب، ومن ثمّ اشترط كثير من أئمة الخلف على المجيز أن لا يجيز أحدا إلا بعد معرفة الوقف والابتداء، وكان أئمتنا يوقفوننا عند كل حرف ويشيرون إلينا فيه بالأصابع سنّة لذلك، أخذوها عن شيوخهم الأوّلين رحمة الله عليهم أجمعين. وصحّ عن الشعبي وهو من أئمة التابعين علما وفقها ومقتدى به أنه قال: إذا قرأت {كُلُّ مَنْ عَلَيْهََا فََانٍ} (26) [الرّحمن: الآية 26] فلا تسكت حتى تقرأ {وَيَبْقى ََ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلََالِ وَالْإِكْرََامِ} (27) [الرّحمن: الآية 27] . وقال الإمام أبو زكريا: الوقف في الصدر الأوّل الصحابة والتابعين وسائر العلماء مرغوب فيه من مشايخ القرّاء والأئمة الفضلاء، مطلوب فيما سلف من الأعصار، واردة به الأخبار الثابتة والآثار الصحيحة ففي

الصحيحين أن أم سلمة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطّع قراءته يقول: الحمد لله رب العالمين ثم يقف» الحديث. قال بعضهم: إن معرفة الوقف تظهر مذهب أهل السنّة من مذهب المعتزلة كما لو وقف على قوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مََا يَشََاءُ وَيَخْتََارُ}

[القصص: الآية 68] فالوقف على {وَيَخْتََارُ} هو مذهب أهل السنّة لنفي اختيار الخلق لا اختيار الحق فليس لأحد أن يختار، بل الخيرة لله تعالى، أخرج هذا الأثر البيهقي في سننه. وروي أن رجلين أتيا النبيّ صلى الله عليه وسلم فتشهّد أحدهما فقال: «من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما» ووقف، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «قم بئس الخطيب أنت قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى» ففي الخبر دليل واضح على كراهة القطع على المستبشع من اللفظ المتعلق بما يبين حقيقته ويدل على المراد منه لأنه صلى الله عليه وسلم إنما أقام الخطيب لمّا قطع على ما يقبح إذ جمع بقطعه بين حال من أطاع ومن عصى، ولم يفصل بين ذلكم، وإنما كان ينبغي له أن يقطع على قوله: «فقد رشد» ثم يستأنف ما بعد ذلك، أو يصل كلامه إلى آخره فيقول: «ومن يعصهما فقد غوى» . فإذا كان مثل هذا مكروها مستبشعا في الكلام الجاري بين المخلوقين فهو في كلام الله تعالى أشدّ كراهة واستبشاعا وتجنبه أولى وأحقّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت