اعلم أن هذا الباب مما ينبغي للقارئ أن يهتم بمعرفته ويصرف في إتقانه أكبر همّته، حتى إن بعضهم جعل تعلم الوقف واجبا لما ورد أن عليّا رضي الله عنه سئل عن قوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمّل: الآية 4] فقال: «الترتيل تجويد الحروف ومعرفة الوقوف» . وبما ورد عن ابن عمر أنه قال: لقد عشنا برهة من دهرنا وإنّ أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على النبيّ صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها وأمرها وزجرها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها». قال ابن الجزري في النشر: ففي كلام علي رضي الله عنه دليل على وجوب تعلمه ومعرفته، وفي كلام ابن عمر رضي الله عنهما برهان على أن تعلمه إجماع من الصحابة رضي الله عنهم، وصحّ، بل تواتر عندنا، تعلّمه والاعتناء به من السلف الصالح كأبي جعفر يزيد بن القعقاع إمام أهل المدينة الذي وهو من أعيان التابعين، وصاحبه الإمام نافع بن أبي نعيم، وأبي عمرو بن العلاء، ويعقوب الحضرمي، وعاصم بن أبي النجود، وغيرهم من الأئمة، وكلامهم في ذلك معروف، ونصوصهم عليه مشهورة من الكتب، ومن ثمّ اشترط كثير من أئمة الخلف على المجيز أن لا يجيز أحدا إلا بعد معرفة الوقف والابتداء، وكان أئمتنا يوقفوننا عند كل حرف ويشيرون إلينا فيه بالأصابع سنّة لذلك، أخذوها عن شيوخهم الأوّلين رحمة الله عليهم أجمعين. وصحّ عن الشعبي وهو من أئمة التابعين علما وفقها ومقتدى به أنه قال: إذا قرأت {كُلُّ مَنْ عَلَيْهََا فََانٍ} (26) [الرّحمن: الآية 26] فلا تسكت حتى تقرأ {وَيَبْقى ََ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلََالِ وَالْإِكْرََامِ} (27) [الرّحمن: الآية 27] . وقال الإمام أبو زكريا: الوقف في الصدر الأوّل الصحابة والتابعين وسائر العلماء مرغوب فيه من مشايخ القرّاء والأئمة الفضلاء، مطلوب فيما سلف من الأعصار، واردة به الأخبار الثابتة والآثار الصحيحة ففي
الصحيحين أن أم سلمة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطّع قراءته يقول: الحمد لله رب العالمين ثم يقف» الحديث. قال بعضهم: إن معرفة الوقف تظهر مذهب أهل السنّة من مذهب المعتزلة كما لو وقف على قوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مََا يَشََاءُ وَيَخْتََارُ}
[القصص: الآية 68] فالوقف على {وَيَخْتََارُ} هو مذهب أهل السنّة لنفي اختيار الخلق لا اختيار الحق فليس لأحد أن يختار، بل الخيرة لله تعالى، أخرج هذا الأثر البيهقي في سننه. وروي أن رجلين أتيا النبيّ صلى الله عليه وسلم فتشهّد أحدهما فقال: «من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما» ووقف، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «قم بئس الخطيب أنت قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى» ففي الخبر دليل واضح على كراهة القطع على المستبشع من اللفظ المتعلق بما يبين حقيقته ويدل على المراد منه لأنه صلى الله عليه وسلم إنما أقام الخطيب لمّا قطع على ما يقبح إذ جمع بقطعه بين حال من أطاع ومن عصى، ولم يفصل بين ذلكم، وإنما كان ينبغي له أن يقطع على قوله: «فقد رشد» ثم يستأنف ما بعد ذلك، أو يصل كلامه إلى آخره فيقول: «ومن يعصهما فقد غوى» . فإذا كان مثل هذا مكروها مستبشعا في الكلام الجاري بين المخلوقين فهو في كلام الله تعالى أشدّ كراهة واستبشاعا وتجنبه أولى وأحقّ.
وقال الهذلي في كامله: «الوقف حلية التلاوة» ، وزينة القارئ، وبلاغ التالي، وفهم المستمع، وفخر العالم، وبه يعرف الفرق بين المعنيين المختلفين والنقيضين المتنافيين والحكمين المتغايرين».
وقال أبو حاتم: «من لم يعرف الوقف لم يعرف القرآن» . وقال ابن الأنباري: «من تمام معرفة القرآن معرفة الوقف والابتداء إذ لا يتأتى لأحد معرفة معاني القرآن إلا بمعرفة الفواصل» فهذا أدلّ دليل على وجوب تعلّمه وتعليمه فينبغي للقارئ أن يقطع الآية التي فيها ذكر النار أو العقاب عمّا بعدها إن كان بعدها ذكر الجنة أو الثواب، وكذلك يقطع الآية التي فيها ذكر الجنة أو الثواب عمّا بعدها إن كان بعدها ذكر النار أو العذاب، وذلك نحو قوله: {فَأُولََئِكَ أَصْحََابُ النََّارِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ} [البقرة: الآية 81] هنا الوقف التام، ولا يجوز أن يوصل ذلك بقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصََّالِحََاتِ}
[البقرة: الآية 82] . ونحو قوله: {يُدْخِلُ مَنْ يَشََاءُ فِي رَحْمَتِهِ} [الإنسان: الآية 31] هنا الوقف التام، ولا يجوز أن يوصله بقوله: {وَالظََّالِمِينَ} [الإنسان: الآية 31] . وكذا كلّ ما هو خارج عن حكم الأوّل فإنه يقطع. اه.
قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري: «اعلم أن القارئ كالمسافر، والمقاطع التي ينتهي إليها القارئ كالمنازل التي ينزلها المسافر، وهي مختلفة بالتام والحسن وغيرهما مما يأتي كاختلاف المنازل في الخصب، ووجود الماء والكلأ، وما يتظلل به من شجر
ونحوه، والناس مختلفون في الوقف فمنهم من جعله على مقاطع الأنفاس، ومنهم من جعله على رءوس الآي. والأعدل أنه قد يكون في أوساط الآي، وإن كان الأغلب في أواخرها، وليس آخر كل آية وقفا، بل المعاني معتبرة، والأنفاس تابعة لها، والقارئ إذا بلغ الوقف وفي نفسه طول يبلغ الوقف الذي يليه: فله مجاوزته إلى ما يليه مما بعده، فإن علم أنّ نفسه لا يبلغ ذلك، فالأحسن له أن لا يجاوزه كالمسافر إذا لقي منزلا خصبا ظليلا كثير الماء والكلأ، وعلم أنه إن جاوزه لا يبلغ المنزل الثاني، واحتاج إلى النزول في مفازة لا شيء فيها من ذلك، فالأوفق له أن لا يجاوزه، فإن عرض له أي للقارئ عجز بعطاس أو قطع نفس أو نحوه عند ما يكره الوقف عليه، عاد من أوّل الكلام ليكون الكلام متصلا بعضه ببعض ولئلا يكون الابتداء بما بعده موهما للوقوع في محذور كقوله تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ اللََّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قََالُوا} [آل عمران: الآية 181] فإن ابتدأ بما يوهم ذلك كان مسيئا إن عرف معناه. وقال ابن الأنباري: «لا إثم عليه لأن نيته الحكاية عمن قاله وهو غير معتقد له، ولا خلاف أنه لا يحكم بكفره من غير تعمّد أو اعتقاد لظاهره» . اه.