قال القسطلاني: أوّل باب: جمع القرآن في الصّحف، ثم جمع تلك الصحف في المصحف بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإنما ترك النبيّ صلى الله عليه وسلم جمع القرآن في مصحف واحد لعدم وجود الورق، ولأن النّسخ كان يرد على بعضه، فلو جمعه ثم رفعت تلاوة بعضه لأدّى إلى
الاختلاف والاختلاط، فحفظه الله تعالى في القلوب إلى انقضاء زمن النسخ فكان التأليف في الزمن النبوي، والجمع في المصحف في زمن الصدّيق، والنسخ في المصاحف في زمن عثمان رضي الله عنه، وقد كان القرآن كلّه مكتوبا في عهده صلى الله عليه وسلم لكن غير مجموع في موضع واحد.
* واختلف في عدد المصاحف: فقيل إنها أربعة، وهو الذي اتفق عليها أكثر العلماء، وقيل إنها خمسة، وقيل إنها ستة، وقيل سبعة، وقيل ثمانية.
أما كونها أربعة: فقيل إنه أبقى مصحفا بالمدينة، وأرسل مصحفا إلى الشام، ومصحفا إلى الكوفة، ومصحفا إلى البصرة.
وأما كونها خمسة: فالأربعة المتقدم ذكرها، والخامس أرسله إلى مكة.
وأما كونها ستة: فالخمسة المتقدّم ذكرها، والسادس اختلف فيه: فقيل جعله خاصة لنفسه، وقيل: أرسله إلى البحرين.
وأما كونها سبعة: فالستة المتقدم ذكرها، والسابع أرسله إلى اليمن.
وأما كونها ثمانية: فالسبعة المتقدم ذكرها، والثامن كان لعثمان يقرأ فيه، وهو الذي قتل وهو بين يديه. [اه. غنية الطالبين] .
قال ابن القاصح: قال أبو علي: أمر عثمان رضي الله عنه زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدني، وبعث عبد الله بن السائب مع المكّي، وبعث المغيرة بن شهاب مع الشامي، وأبا عبد الرّحمن السلمي مع الكوفي، وعامر بن قيس مع البصري. وكان في تلك البلاد الجمّ الغفير من حفّاظ القرآن من التابعين، فقرأ كلّ مصر بما في مصحفه، ونقلوا ما فيه عن الصحابة الذين تلقّوه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم تجرّد للأخذ عن هؤلاء رجال سهروا ليلهم في ضبطها، وتعبوا نهارهم في نقلها، حتى صاروا في ذلك أئمة للاقتداء وأنجما للاهتداء، اجتمع أهل بلدهم على قبول قراءتهم، ولم يختلف عليهم اثنان في صحة روايتهم ودرايتهم، ولتصدّيهم للقراءة نسبت إليهم، وكان المعوّل فيها عليهم، نفعنا الله بهم. آمين.
اعلم وفقني الله وإياك أنه لا بد للقارئ من معرفة المقطوع والموصول ليقف على المقطوع في محل قطعه حال انقطاع نفسه، أو اختباره أي امتحانه بأن اختبره المعلم
أو غيره، وعلى الموصول عند انقضائه. والذي يتأكد معرفته من ذلك واعتنى بذكره كثير من العلماء ستة عشر نوعا: