اعلم أن حق الحروف صفاتها الذاتية اللازمة لها كالجهر والشدة والاستعلاء، فإنها لازمة لذوات بعض الحروف، غير منفكة عنها، فإن انفكت يكون الانفكاك لحنا جليّا في بعض الصفات، ولحنا خفيّا في بعض، وأن مستحقها ما ينشأ عن تلك الصفات الذاتية اللازمة كالتفخيم فإنّه ناشئ عن كلّ من الاستعلاء والتكرير، وكالترقيق فإنه ناشئ عن الاستفال، وذلك أن التفخيم الناشئ عن الاستعلاء والتكرير يكون في الحرف حال سكونه وتحريكه بالفتح والضم فقط، وأما حال تحريكه بالكسر فلا يوجد فيه التفخيم بل ضدّه وهو الترقيق لأن بين الكسر والتفخيم مانعة الجمع إذ الكسر يستدعي انخفاض اللسان، والتفخيم يستدعي ارتفاعه، وأن الترقيق الناشئ عن الاستفال المذكور يكون في الراء حال كسرها، وفي اللام إذا لم تكن في الاسم الجليل وقبلها فتح أو ضمّ: فلا يكون فيها ترقيق مع أنها مستفلة أيضا. قال أبو عمرو الداني رحمه الله تعالى: «ينبغي للقارئ أن يعوّد نفسه على تفقّد الحروف التي لا يوصل إلى حقيقة اللفظ بها إلا بالرياضة الشديدة والتلاوة الكثيرة مع العلم بحقائقها والمعرفة بمنازلها فيعطى كلّ حرف منها حقّه من المدّ إن كان ممدودا ومن التّمكن إن كان متمكنّا، ومن الهمز إن كان مهموزا، ومن الإدغام إن كان مدغما، ومن الإظهار إن كان مظهرا، ومن الإخفاء إن كان مخفيّا، ومن الحركة إن كان محرّكا، ومن السكون إن كان مسكّنا، ويكون ذلك على حسب ما يتلقاه من أفواه المشايخ العارفين بكيفية أداء القراءة حسبما وصل إليهم من مشايخهم من الحضرة النبوية العربية الأفصحية، لا مجرد اقتصار على النقل من الكتب المدوّنة أو اكتفاء بالعقل المختلف الأفكار، ولله درّ الحافظ ابن الجزري حيث قال: «ولا أعلم سببا لبلوغ نهاية الإتقان والتجويد، ووصول غاية التصحيح والتسديد، مثل رياضة الألسن والتكرار على اللفظ المتلقّى من فم المحسّن، وأنت ترى تجويد حروف الكتابة كيف يبلغها الكاتب بالرياضة أو التكرار وتوقيف الأستاذ» . ولله درّ الحافظ أبي عمرو الداني رحمه الله حيث يقول: «ليس بين التجويد وتركه إلا رياضة لمن تدبره بفكّه فلقد صدق وبصر وأوجز في القول وما قصّر، فإذا أحكم القارئ النطق بكل حرف على حدته موفيا حقّه، فليعمل
نفسه بإحكامه حالة التركيب لأنه ينشأ عن التركيب ما لم يكن حالة الإفراد، وذلك ظاهر فكم ممن يحسن الحروف مفردة ولا يحسنها مركبة، بحسب ما يجاورها من مجانس ومقارب وقوي وضعيف ومفخّم ومرقّق، فيجذب القويّ الضعيف، ويغلب المفخّم المرقق، فيصعب على اللسان النطق بذلك على حقّه إلا بالرياضة الشديدة حالة التركيب فمن أحكم صحة التلفظ حالة التركيب حصّل حقيقة التجويد بالإتقان والتدريب. [اه. ابن غازي مع بعض زيادة من شرح الجزرية لبعضهم] .
فالقرآن. وقال بعضهم: والحديث.
وأما فائدته:
فسعادة الدارين وهذا معنى قول بعضهم:
من يحسن التجويد يظفر بالرّشد وهو الجزاء الأوفى في دار السلام المترتب على قراءة القرآن العظيم من دخول الجنة وعلوّ المنزلة والنظر إلى وجه الله الكريم.
وأما غايته:
فبلوغ النهاية في إتقان لفظ القرآن على ما تلقّي من الحضرة النبويّة الأفصحية. وقيل: غايته صون اللسان عن الخطأ في كتاب الله تعالى. زاد بعضهم: وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد اتضح لك بما تقدم أن تجويد القرآن يتوقف على أربعة أمور: أحدها: معرفة مخارج الحروف، وثانيها: معرفة صفاتها، وثالثها: معرفة ما يتجدّد لها بسبب التركيب من الأحكام، ورابعها: رياضة اللسان وكثرة التكرار.
ثم اعلم أنه لا بد للقارئ من معرفة أركان القراءة الصحيحة للقرآن وهي ثلاثة أمور: الركن الأول صحة السند: وهو أن يقرأ على شيخ متقن فطن حاذق اتصل سنده بالنبيّ صلى الله عليه وسلم. الركن الثاني معرفة الرسم العثماني ولو احتمالا فلا بد للقارئ من معرفة طرف من علم الرسم كالمقطوع والموصول، والثابت من حروف المد والمحذوف منها، وما كتب بالتاء المجرورة وما كتب بتاء التأنيث التي كصورة الهاء ليعرف كيف يبتدئ وكيف يقف، وسيأتي بيان ذلك كله في محله إن شاء الله تعالى. الركن الثالث أن توافق القراءة وجها من أوجه النحو ولو ضعيفا ولا يجب على القارئ أن يتعلم علم النحو حيث كان يأخذ القراءة عن شيخ عارف على الأصح، وقيل: يجب تعلّمه قبل القراءة كما يجب تعلّم علم التجويد، فإن اختلّ ركن من هذه الأركان الثلاثة كانت القراءة شاذّة.
[اه. تحفة الطالبين لابن غازي] .
فائدة: الأخذ عن الشيوخ على نوعين: أحدهما: أن يسمع من لسان المشايخ، وهو طريقة المتقدمين. وثانيهما: أن يقرأ في حضرتهم وهم يسمعونها، وهذا مسلك المتأخرين. واختلف أيهما أولى، والأظهر أن الطريقة الثانية بالنسبة إلى أهل زماننا أقرب إلى الحفظ. نعم الجمع بينهما أعلى لما ذكر في المصابيح أنه جرت السّنّة بين القراء أن يقرأ الأستاذ ليسمع التلميذ، ثم يقرأ التلميذ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبيّ بن كعب رضي الله عنه: «إنّ الله أمرني أن أقرأ القرآن عليك» والمراد من قراءته صلى الله عليه وسلم القرآن على أبيّ تعليمه وإرشاده، وهو أوّل الصحابة وأشدهم استعدادا لتلقّف القرآن منه صلى الله عليه وسلم كتلقفه عليه الصلاة والسلام من أمين الوحي، فلذلك خصّ بذلك. اه. فتنبه يا أخي وأيقظ همّتك وحرّك عزيمتك، واستعدّ لفهم ما يلقى إليك، وقبول ما يملى عليك فإن الناس في قراءة القرآن بين محسن مأجور، ومسيء آثم أو معذور فانظر ممن أنت فإن كنت ممن هو محسن فاشكر الله تعالى فإنك مأجور، وإن كنت ممن هو مستغن بنفسه مستبد برأيه وحدسه متّكل على ما ألفه من حفظه، مستكبر عن الرجوع إلى عالم يوقّفه على تصحيح لفظه، فلا شك أنك مقصّر مغرور ومسيء آثم غير معذور، فإن كنت ممن لا يطاوعه اللسان، أو لا يجد من يهديه إلى الصواب بالبيان: فاعلم أن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، لكن يجب عليك أن تجتهد جهدك لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمرا فإن العمل بالتجويد فرض عين لازم لكل من يقرأ شيئا من القرآن لا سيما في الصلاة لأن الله تعالى أنزله بالتجويد حيث قال: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمّل: الآية 4] أي جوّده تجويدا، فإن كان التجويد فرضا فيه، يكون ما ينافيه وهو اللحن حراما فيه. [اه.