والحركات وردت أصليّة ... وهي الثلاث وأتت فرعيّه
وهي التي قبل الذي أميلا ... وكسرة كضمّة كقيلا
اعلم أن المخارج اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال: فذهب الخليل بن أحمد وأكثر النحويين وأكثر القرّاء ومنهم ابن الجزري إلى أنها سبعة عشر مخرجا، وذهب سيبويه ومن تابعه ومنهم الشاطبي إلى أنها ستة عشر مخرجا، وذهب قطرب والجرمي وابن كيسان وابن زياد الفراء إلى أنها أربعة عشر مخرجا. أما من جعلها سبعة عشر فجعل في الجوف مخرجا، وفي الحلق ثلاثة مخارج، وفي اللسان عشرة، وفي الشفتين اثنين، وفي الخيشوم واحدا. ومن جعلها ستة عشر أسقط الجوف وفرّق حروفه، فجعل الألف من أقصى الحلق، والياء من وسط اللسان، والواو من الشفتين. ومن جعلها أربعة عشر أسقط الجوف كسيبويه، وجعل مخارج اللسان ثمانية بجعل مخرج اللام والنون والراء مخرجا واحدا أي كليّا منقسما إلى ثلاثة مخارج جزئية. وأنا أتبع في هذه الرسالة إن شاء الله تعالى مذهب الخليل بن أحمد تبعا لابن الجزري قدّس الله سرّه السري.
إذا علمت ذلك فاعلم أن المخارج يجمعها خمسة مواضع: الجوف، والحلق، واللسان، والشفتان، والخيشوم. فإذا أردت أن تعرف مخرج حرف فسكّنه أو شدّده، وهو الأظهر، ملاحظا فيه صفات ذلك الحرف، وأدخل عليه همزة الوصل بأي حركة كانت، وأصغ إليه السمع، فحيث انقطع الصوت: كان مخرجه المحقق، وحيث يمكن انقطاع الصوت في الجملة: كان مخرجه المقدّر، فتدبّر.
ثم اعلم أن معرفة المخرج بمنزلة الوزن والمقدار، ومعرفة الصفة بمنزلة المحكّ والمعيار، ولما كانت مادة الحرف الصوت، الذي هو الهواء الخارج من داخل الرئة متصعدا إلى الفم، رتب العلماء مخارج الحروف باعتبار الصوت، فيقدّمون في الذكر ما هو أقرب إلى ما يلي الصدر، ثم الذي يليه، وهكذا، حتى ينتهي إلى مقدّم الفم. وها أنا أذكرها إن شاء الله تعالى مرتبة كذلك فأقول:
المخرج الأول الجوف:
أي جوف الحلق والفم، وهو الخلاء الداخل فيهما، ويخرج منه حروف المد الثلاثة، أحدها الألف، ولا تكون إلا ساكنة، ولا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، وثانيها الواو الساكنة المضموم ما قبلها، وثالثها الياء الساكنة المكسور ما قبلها، وتسمى هذه الحروف الثلاثة حروف مدّ ولين لأنها تخرج بامتداد ولين من غير كلفة على اللسان لاتساع مخرجها فإنّ المخرج إذا اتسع انتشر الصوت فيه وامتد ولان،
وإذا ضاق انضغط فيه الصوت وصلب، ويقال له أيضا الحروف الجوفية والهوائية لأن مبدأ أصواتها مبدأ الحلق، يمتد ويمر على كل جوف الفم والحلق، وهو الخلاء الداخل فيه، فليس لهن حيز محقق ينتهين إليه كما كان لسائر الحروف، بل ينتهين بانتهاء الهواء أعني هواء الفم وهو الصوت ولذا يقبلن الزيادة والنقصان في مراتبها، وهنّ بالصوت أشبه، فلولا تصعّد الألف وتسفّل الياء واعتراض الواو أي بين الصعود والتسفل لما تميزت عن الصوت المجرّد، وحيث لزمت الألف هذه الطريقة المعتادة أي من كونها ساكنة وحركة ما قبلها من جنسها وهي الفتحة لم يختلف حالها من أنها تكون دائما هوائية، بخلاف أختيها فإنهما إذا فارقتاها في صفة المشابهة صار لهما حيّز محقّق، ومن ثم كان لهما مخرجان: مخرج حال كونهما مدّيتين، ومخرج حال كونهما غير مديتين [اه. شرح الملا علي] .