الآية 6] و {قَصْدُ السَّبِيلِ} [النّحل: الآية 9] وإنما فعلوا بها ذلك لقرب الزاي من الصاد إذ هما من مخرج واحد ومن حروف الصفير، والأصل في الصاد: السين، وهي حرف مهموس منفتح فيه صفير، والطاء حرف مطبق مجهور لا صفير فيه، والمهموس ضد المجهور وهو أضعف منه في النطق والمخرج، والمنطبق ضد المنفتح، وهو أقوى منه في النطق والمخرج، فلما اجتمعت الأضداد أبدلوا من السين حرفا يؤاخيها في النطق وفي المخرج والصفير، ويؤاخي الطاء في الجهر وهو الزاي، وخلطوا بلفظ الزاي الصاد لمؤاخاتها لها في المخرج والصفير، ولمؤاخاتها للطاء في الإطباق لئلا يخلّوا بزوال السين في صفيرها، فقرب لفظه من لفظ الطاء عند ذلك، فصار عمل اللسان من موضع واحد، ولم يخلّوا بالسين التي هي الأصل إذ قد عوّضوا منها حرفا من مخرجها فيه من الصفير ما فيها، وكذلك الدال المهملة حرف مجهور لا صفير فيه، والصاد حرف مهموس فيه صفير، ففعلوا به ما فعلوا بالسين قبل الطاء ليعمل اللسان عملا واحدا، وعلى ذلك قراءة حمزة في {الصِّرََاطَ} [الفاتحة: الآية 6] ، ومعه الكسائي في نحو {أَصْدَقُ} [النّساء: الآيتان 87و 122] من كل دال وقع قبلها صاد ساكنة في كلمة واحدة فلا هي صاد خالصة ولا هي زاي خالصة. والرابع: الياء المشمّة صوت الواو في مثل {قِيلَ} [البقرة: الآية 11، وغيرها] و {وَغِيضَ} [هود: الآية 44] حالة الإشمام في قراءة هشام والكسائي. والخامس: الألف المفخّمة التابعة لحرف مفخم فهي ألف يخالط لفظها تفخيم يقرّبها من لفظ الواو كما كانت الألف الممالة يخالط لفظها ترقيق يقرّبها من الياء فهي متردّدة بين الألف الأصلية والواو، وذلك في لفظ الجلالة بشرطها المعتبر وهو أن تكون بعد فتح أو ضمّ، وفيما صحت به الرواية عن ورش من طريق الأزرق عن نافع نحو «الصلاة، ومصلى، والطلاق، وظلام» ، وما أشبه ذلك من كل لام مفتوحة وقعت بعد صاد أو طاء أو ظاء سكنت أو فتحت، وهذه لغة فاشية عند
أهل الحجاز، وإنما دعاهم إلى ذلك إرادة نفي جواز الإمالة فيها. ووجه تفرّع هذه الحروف أنها متولدة من امتزاج الحرفين الأصليين كما ذكر. والسادس والسابع: اللام المفخّمة والنون المخفاة كما في شرح الملا علي القاري وشرح البركوي وشرح نونية السخاوي وشرح القول المفيد، وقال الحلبي في شرحه: «وزاد القاضي اللام المفخمة والنون المخفاة، وهو وهم إذ ليس فيهما شائبة حرف آخر، ولم يقعا بين مخرجين، غاية الأمر أن اللام لام مغلّظة، والنون نون مخفاة، مخرجها الخيشوم على ما يأتي، وكونها ذات مخرجين في حالتين مختلفتين أعني حالة إخفائها وعدمه غير كونها خارجة مما بين مخرجين في حالة واحدة فلا تكون من الفرعية أصلا» اه. والثامن:
الميم المسكنة، وحكمها كحكم النون المخفاة، وهو أنها إذا أظهرت تكون أصلية، وإذا أدغمت أو أخفيت كانت فرعية أي ناقصة، وانفرد الطيبي بذكر هذا الحرف ولم أره لغيره. وقد أشار للأحرف الثمانية بقوله:
واستعملوا أيضا حروفا زائده ... على الذي قدّمته لفائده
كقصد تخفيف وقد تفرّعت ... من تلك كالهمزة حين سهّلت
وألف كالياء إذ تمال ... والصاد كالزاي كما قد قالوا
والياء كالواو كقيل ممّا ... كسر ابتداؤه أشمّوا ضمّا
والألف التي تراها فخّمت ... وهكذا اللام إذا ما غلّظت
والنون عدّوها إذا لم يظهروا ... قلت كذاك الميم فيما يظهر
واعلم أن الحركات تكون أصلية وفرعية أيضا فالأصلية ثلاث وهي الفتحة والكسرة والضمة، والفرعية اثنتان: الأولى: الحركة الممالة نحو {بُشْرى ََ} [آل عمران:
الآية 126، وغيرها]و {النََّارَ} [البقرة: الآية 24] و {الْكََافِرِينَ} [آل عمران: الآية 28، وغيرها] عند من أمال، ونحو {رَحْمَتَ} [البقرة: الآية 218] و {نِعْمَةَ} [البقرة: الآية 211] عند من أمال ذلك في الوقف فتكون حينئذ حركة فرعية ليست بكسرة خالصة ولا فتحة خالصة، والثانية الحركة المشمّة في نحو {قِيلَ} [البقرة: الآية 11، وغيرها] و {وَغِيضَ} [هود: الآية 44] في مذهب من أشم كهشام والكسائي. ولذلك أشار الطيبي فقال:
والحركات وردت أصليّة ... وهي الثلاث وأتت فرعيّه
وهي التي قبل الذي أميلا ... وكسرة كضمّة كقيلا