فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 259

ومنهم قوم كانوا يصلون الخاتمة بالفاتحة عودا على بدء من غير فصل بينهما لا بدعاء، ولا غيره لوجهين: أحدهما: ما رواه الترمذي من حديث أبي سعيد أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: «من شغله القرآن عن دعائي ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله تعالى على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه» ، ثانيهما: ما في ذلك من التحقق بمعنى الحلول والارتحال الوارد في الحديث المرويّ من طريق عبد الله بن كثير عن درباس مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس عن أبيّ بن كعب رضي الله عنهم عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «أنه كان إذا قرأ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النََّاسِ} (1) [النّاس: الآية 1] افتتح من {الْحَمْدُ لِلََّهِ} [الفاتحة: الآية 2] ثم قرأ من البقرة إلى {وَأُولََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: الآية 5] ثم دعا بدعاء الختم، ثم قام» . قال الحافظ ابن الجزري في نشره: وصار العمل على هذا في سائر أمصار المسلمين في قراءة ابن كثير وغيرها، ويسمونه الحالّ المرتحل أي الذي حلّ في قراءة آخر الختمة، فارتحل إلى ختمة أخرى، فلا يزال سائرا إلى الله تعالى، وعكس بعضهم، فقال: الحالّ المرتحل الذي يحلّ في ختمة عند فراغه من ختمة أخرى، والأول أظهر. والقصد بهذا الحث على كثرة التلاوة، وأنه مهما فرغ من ختمة شرع في ختمة أخرى من غير تراخ كما كان الصالحون، فكانوا لا يفترون عن تلاوته ليلا ونهارا، حضرا وسفرا، صحة وسقما، ولهم عادات مختلفة في قدر ما يختمون فيه فكان بعضهم يختم في شهرين، وبعضهم في شهر، وبعضهم في عشرة أيام، وبعضهم في ثمانية، وبعضهم في سبعة، وهم الأكثرون، وبعضهم في ستة، وبعضهم في خمسة، وبعضهم في أربعة، وبعضهم في ثلاثة، وبعضهم في اثنين، وبعضهم في يوم وليلة ومنهم عثمان بن عفان رضي الله عنه، وتميم الداري،

وسعيد بن جبير، ومجاهد والشافعي، وبعضهم في كل يوم وليلة ختمتين وهكذا كان يفعل البخاري في رمضان فكان يصلّي بأصحابه كل ليلة إلى أن يختم، ويقرأ في النهار ختمة يختمها عند الإفطار، ومنهم من كان يختم ثلاثا، ومنهم من كان يختم أربعا بالليل، وأربعا بالنهار، وهذا ممن خرقت لهم العادة، وبعضهم أكرمه الله بأكثر من هذا.

الفصل الثالث في بيان الأدعية الواردة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم وعن السلف الصالح بعد ختم القرآن

اعلم أن الدعاء يتأكد عند ختم القرآن لأنه من مواضع الإجابة فقد ورد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «من قرأ القرآن أو قال من جمع القرآن كانت له عند الله دعوة مستجابة إن شاء عجّلها له في الدنيا، وإن شاء ادّخرها له في الآخرة» رواه الطبراني. وعن أنس رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال:

«مع كل ختمة دعوة مستجابة» وعنه أيضا قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إنّ للقارئ عند ختم القرآن دعوة مستجابة» وعند أيضا قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: «إنّ للقارئ عند ختم القرآن دعوة مستجابة وشجرة في الجنة» ، وروى الدارمي في مسنده عن حميد الأعرج، قال: من قرأ القرآن ثم دعا أمّن على دعائه أربعة آلاف ملك. وعن حبيب بن أبي عمرة: إذا ختم الرجل القرآن قبّل الملك بين عينيه. وعن مجاهد: تنزل الرحمة عند ختم القرآن.

وأفضل الدعاء ما نقل عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم مع الإتيان بآدابه التي منها: الإخلاص لوجه الله تعالى، وتقديم عمل صالح كصدقة، وتجنب الحرام أكلا وشربا، والوضوء، واستقبال القبلة، ورفع اليدين مكشوفتين، والجثوّ على الركبتين، والمبالغة في الخشوع لله تعالى، والخضوع بين يديه، وحسن التأدّب مع الله تعالى، وعدم تكلّف السجع فيه، والثناء على الله تعالى أولا وآخرا، والصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلم قبل الدعاء وبعد لما روي عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: كل دعاء محجوب حتى يصلّى على النبيّ صلّى الله عليه وسلم وعلى آله، ولما روي عن عمر أنه قال: الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى يصلّى على النبيّ صلّى الله عليه وسلم (واختم بها) فإنّ الله سبحانه وتعالى بكرمه يقبل الصلاتين، وهو أكرم من أن يدع ما بينهما». وحضور القلب لما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلم: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يجيب دعاء من قلب غافل لاه». رواه الترمذي وقال: مستقيم الإسناد. ويتأكد القيام عند الدعاء، وأن يجمع

أهله وعشيرته عند الختم للأحاديث المروية في ذلك، وأن يعمّ بدعائه جميع المسلمين وإخوانه الحاضرين والغائبين لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا دعا الغائب لغائب قال له الملك: ولك مثل ذلك» رواه غندر عن أبي هريرة، وورد «من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة» رواه الطبراني عن عبادة بن الصامت، والاستغفار دعاء. وأن يدعو لولاة المؤمنين بإصلاح شأنهم. ومن السنة أن لا يخص نفسه بدعاء لحديث «لا يؤمّن الرجل قوما فيخصّ نفسه بدعاء دونهم، فإن فعل فقد خانهم» أخرجه أبو داود عن ثوبان، وفي رواية للترمذي: «لا يحلّ لرجل أن ينظر في بيت رجل بغير إذنه، ولا يحل لرجل أن يؤمّ قوما فيخصّ نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم» ، وأن يمسح وجهه بيديه بعد الفراغ منه لما روي عن ابن عباس عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إذا سألتم الله تعالى فاسألوه ببطون أكفّكم، ولا تسألوه بظهورها، وامسحوا بها وجوهكم» [اه. ابن غازي نقلا عن النشر] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت