للراء ذلق وانحراف كرّرت ... فتح وجهر واستفال وسطت
قال سيبويه: إذا تكلمت بالراء خرجت كأنها مضاعفة، وذلك لما فيها من التكرير الذي انفردت به دون سائر الحروف، وقد توهم بعض الناس أن حقيقة التكرير ترعيد اللسان بها المرّة بعد المرّة، فأظهر ذلك حال تشديدها كما يفعله بعض الأندلسيين، والصواب التحفظ من ذلك بإخفاء تكريرها كما هو مذهب المحققين، وقد يبالغ قوم في
إخفاء تكريرها مشدّدة، فيأتي بها محصرمة شبيهة بالطاء، وذلك خطأ لا يجوز لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون الراء من الحروف الشديدة، مع أنه من الحروف البينية، فينبغي للقارئ عند النطق بها أن يلصق ظهر لسانه بأعلى حنكه لصقا محكما مرة واحدة بحيث لا يرتعد لأنه متى ارتعد حدث من كل مرة راء، فإذا نطق بها مشدّدة وجب عليه التحفّظ من تكريرها، وعليه تأديتها برفق من غير مبالغة في الحصر نحو قوله: {الرَّحْمََنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: الآية 1] و {وَخَرَّ مُوسى ََ} [الأعراف: الآية 143] و {أَشَدُّ حَرًّا} [التّوبة:
الآية 81]. وإذا تكررت الراء وكانت الأولى مشدّدة كان التحفظ لذلك أشدّ وآكد كقوله:
{مُحَرَّرًا} [آل عمران: الآية 35] و {وَخَرَّ رََاكِعًا} [ص: الآية 24] . وليحترز حال ترقيقها من نحولها نحولا يذهب أثرها وينقل لفظها عن مخرجها كما يفعله بعض الغافلين. وسيأتي حكم تفخيمها وترقيقها في باب التفخيم والترقيق إن شاء الله تعالى.
فقد تقدم الكلام على مخرجها ونسبتها، وهي أقوى الحروف لأنها جمعت من صفات القوّة ما لا يجتمع في غيرها فهي حرف مجهور شديد مطبق مستعل مقلقل مصمت. وقد جمعها بعضهم في بيت فقال:
للطا انطباق جهر استعلا ورد ... قلقلة صمت وشدّة تعدّ
فإذا نطقت بها فأعطها حقها من مخرجها وصفاتها، واعتن ببيان إطباقها واستعلائها وتكميل تفخيمها. وإذا كانت مشدّدة وجبت المحافظة على ما تقدم لئلا يميل اللسان بها إلى الرخاوة نحو {اطَّيَّرْنََا} [النّمل: الآية 47] و {أَنْ يَطَّوَّفَ} [البقرة: الآية 158] . فإذا تكررت كان البيان آكد لتكرّر حرف مطبق مستعمل قوي نحو {إِذًا شَطَطًا} [الكهف: الآية 14] ، وإذا سكنت سواء كان سكونها لازما أو عارضا فلا بد من بيان إطباقها وقلقلتها نحو {الْخَطْفَةَ} [الصّافات: الآية 10] و {الْأَطْفََالُ} [النّور: الآية 59] و {وَالْأَسْبََاطِ} [البقرة: الآية 136] وغيرها و {الْقِسْطَ} [الأنبياء: الآية 47] ونحوه في الوقف. وإذا سكنت وأتي بعدها تاء فوقية وجب إدغامها إدغاما غير مستكمل، بل تبقى معه صفة الإطباق والاستعلاء لئلا تشتبه بالتاء المدغمة المجانسة لها بسبب اتحاد المخرج، ولولا التجانس لم يبتغ الإدغام لذلك نحو قوله تعالى: {لَئِنْ بَسَطْتَ} [المائدة: الآية 28] و {أَحَطْتُ} [النّمل: الآية 22] و {فَرَّطْتُ} [الزّمر: الآية 56] كما يحكم ذلك بالمشافهة. ويحترز حال الإدغام عن القلقلة في الطاء وإن كانت ساكنة لأنها تذهب بالإدغام.
وفي ابن غازي: فإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين قوله: {وَدَّتْ طََائِفَةٌ} [آل عمران: الآية 69] و {قََالَتْ طََائِفَةٌ} [الأحزاب: الآية 13] و {فَآمَنَتْ طََائِفَةٌ} [الصف: الآية 14] حيث اغتفر فيه اشتباه التاء بالطاء، ولم يغتفر هذا في عكسه؟
أجيب: بأنه يمكن أن يفرّق بينهما بأنه لمّا كان أصل الإدغام أن يدغم الأضعف في الأقوى ليصير مثله في القوة، أدغمت كلّ طاء ساكنة في تاء بعدها إدغاما غير مستكمل، يبقى معه تفخيمها واستعلاؤها محافظة على قوة الطاء، وأدغمت التاء الساكنة في طاء بعدها إدغاما مستكملا، وجعل إبقاء صفة التفخيم والاستعلاء دالا على موصوفها كما في إبقاء صفة الغنة عند إدغام النون الساكنة والتنوين في الواو والياء، فيكون التشديد متوسطا في الموضعين لأجل إبقاء الصفة. اه.