فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 259

اعلم أن وقف التعسف قد ذكره صاحب الثغر الباسم نقلا عن ابن الجزري في النشر فقال: ليس كل ما يتعسفه بعض المعربين، أو يتكلفه بعض القراء، أو يتأوله

بعض أهل الأهواء مما يقتضي وقفا أو ابتداء، ينبغي أن لا يتعمّد الوقف عليه، بل ينبغي تحرّي المعنى الأتمّ والوقف الأوجه. فمن ذلك الوقف على قوله: {أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} [البقرة: الآية 6] والابتداء ب هم {لََا يُؤْمِنُونَ} (6) [البقرة: الآية 6] على أنها جملة من مبتدأ وخبر. ومنه الوقف على قوله: {وَارْحَمْنََا أَنْتَ} [البقرة: الآية 286] والابتداء ب {مَوْلََانََا فَانْصُرْنََا} [البقرة: الآية 286] على معنى النداء. ونحو الوقف على {ثُمَّ جََاؤُكَ يَحْلِفُونَ} [النّساء: الآية 62] ثم الابتداء {بِاللََّهِ إِنْ أَرَدْنََا} [النّساء: الآية 62] .

ومنه الوقف على {سُبْحََانَكَ مََا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مََا لَيْسَ لِي} [المائدة: الآية 116] ثم الابتداء ب {بِحَقٍّ} [المائدة: الآية 116] . ومنه الوقف على {ادْعُ لَنََا رَبَّكَ} [الأعراف: الآية 134] ثم الابتداء ب {بِمََا عَهِدَ عِنْدَكَ} [الأعراف: الآية 134] . ومنه الوقف على {وَإِذْ قََالَ لُقْمََانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يََا بُنَيَّ لََا تُشْرِكْ} [لقمان: الآية 13] ثم الابتداء {بِاللََّهِ إِنَّ الشِّرْكَ} [لقمان: الآية 13] على معنى القسم. ومنه الوقف على {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلََا جُنََاحَ} [البقرة: الآية 158] والابتداء ب {عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمََا} [البقرة: الآية 158] .

ومنه الوقف على قوله: {وَهُوَ اللََّهُ فِي السَّمََاوََاتِ} [الأنعام: الآية 3] والابتداء ب {وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} [الأنعام: الآية 3] . ومنه الوقف على {مََا كََانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ}

[القصص: الآية 68] مع وصله بقوله: {وَيَخْتََارُ} [القصص: الآية 68] قبله على أن «ما» موصولة. ومنه {فَانْتَقَمْنََا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكََانَ حَقًّا} [الرّوم: الآية 47] ويبتدئ {عَلَيْنََا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الرّوم: الآية 47] بمعنى واجب أو لازم.

ومن ذلك قول بعضهم في {عَيْنًا فِيهََا تُسَمََّى سَلْسَبِيلًا} (18) [الإنسان: الآية 18] إن الوقف على {تُسَمََّى} أي عينا مسماة معروفة، والابتداء ب {سَلْسَبِيلًا} هكذا جملة أمرية أي سل طريقا موصلة إليها، وهذا مع ما فيه من التحريف يبطله إجماع المصاحف على أنه كلمة واحدة. ومنه أيضا تعسّف بعضهم إذا وقف على {وَمََا تَشََاؤُنَ إِلََّا أَنْ يَشََاءَ} [التكوير:

الآية 29]ويبتدئ {اللََّهُ رَبُّ الْعََالَمِينَ} [التكوير: الآية 29] ويبقى {يَشََاءَ} بغير فاعل. ومنه الوقف على قوله: {وَإِذََا رَأَيْتَ ثَمَّ} [الإنسان: الآية 20] ويبتدئ {رَأَيْتَ نَعِيمًا} [الإنسان: الآية 20] وليس بشيء لأن الجواب بعده، و {ثَمَّ} ظرف لا يتصرف، فلا يقع فاعلا ولا مفعولا، وغلط من أعربه مفعولا لرأيت أو جعله محذوفا، والتقدير إذا رأيت الجنة رأيت فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

ومنه الوقف على قوله: {كَلََّا لَوْ تَعْلَمُونَ} [التّكاثر: الآية 5] ثم الابتداء ب {عِلْمَ الْيَقِينِ} [التّكاثر: الآية 5] فإن ذلك وما أشبهه تعنت وتعسّف لا فائدة فيه، فينبغي تجنبه

لأنه محض تقليد، وعلم العقل لا يعمل به إلا إذا وافق النقل، فعليك بمراعاة ما نصّ عليه أئمة هذا الشأن، فهو أولى من اتّباع الأهواء. والله الموفق للصواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت