اعلم أنّ الصفات جمع صفة. وهي لغة: ما قام بالشيء من المعاني كالعلم والسواد. ولم يريدوا بالصفة معنى النعت كما أراده النحويون مثل اسم الفاعل والمفعول أو ما يرجع إليها من طريق المعنى نحو مثل وشبه. واصطلاحا: كيفية عارضة للحرف عند حصوله في المخرج من الجهر والرخاوة والهمس والشدة ونحوها، وبذلك يتميز
بعض الحروف المتحدة في المخرج عن بعض فهي لفظ يدل على معنّى في موصوفه إما باعتبار محله أو باعتبار ذاته فالأول كالجوفية والحلقية واللهوية إلى آخر ما تقدم في التتمة، والثاني كالجهر والهمس وأمثالهما من كل صفة لازمة للحرف في جميع أحواله، أي سواء كان ساكنا أو محرّكا بأي حركة.
ثم إن العلماء رحمهم الله تعالى اختلفوا في عدد الصفات فمنهم من عدّها سبع عشرة صفة وهو الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى، وتابعه على ذلك شرّاح مقدمته وغيرهم. ومنهم من زاد على ذلك وهو صاحب الرعاية فإنه أوصلها إلى أربع وأربعين صفة. ومنهم من نقص عن السبع عشرة كالبركوي فإنه عدّها في كتابه الدر اليتيم أربع عشرة بنقص الذلاقة وضدها وهو الإصمات، والانحراف واللين، وزيادة صفة الغنة.
وكشارح نونية الإمام السخاوي فإنه عدّها ست عشرة صفة بنقص الذلاقة وضدّها أيضا، وزيادة صفة الهوائي أي الحرف الهوائي وهو الألف. وكالمرعشي فإنه ذكر في رسالته سبع عشرة صفة إلا أنه نقص الذلاقة وضدّها الانحراف واللين، وزاد أربع صفات: الغنة، والخفاء، والتفخيم، والترقيق، وفيه أن التفخيم والترقيق من الصفات العارضة، والمقام مقام عدّ الصفات اللازمة. فتأمل. ولما كان خير الأمور أوسطها اخترت أن أذكر في هذه الحالة ما هو الأوسط من هذه الأقوال الثلاثة، وهو قول ابن الجزري بأنها سبعة عشر، ثم بعد التكلم عليها نتكلم على صفتي الخفاء والغنة لأنهما من الصفات اللازمة أيضا.
وقد ذكرهما كثير من أئمة هذا الفن. فنقول:
اعلم أن الصفات السبع عشرة تنقسم إلى قسمين: قسم له ضدّ وهو خمسة وضدّه كذلك بجعل ما بين الرخاوة والشدّة مع أحدهما كما يأتي، وقسم لا ضدّ له وهو سبع فذوات الأضداد: الجهر وضدّه الهمس، والشدة وضدّها الرخاوة، وما بينهما، والاستعلاء وضدّه الاستفال، والإطباق وضدّه الانفتاح، والإذلاق وضده الإصمات. وأما التي ليس لها أضداد: فالصفير، والقلقلة، واللين، والانحراف، والتكرير، والتفشّي، والاستطالة، فالجملة سبعة عشر فكلّ حرف يأخذ خمس صفات من المتضادّة، وأما غير المتضادّة فتارة يأخذ منها صفة أو صفتين، وتارة لا يأخذ شيئا فغاية ما يجتمع في الحرف الواحد سبع صفات فالراء يكمل لها سبع صفات: الانحراف، والتكرير، والخمسة المتضادّة.
وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى في الفصل الخامس في ذكر توزيع الصفات على موصوفاتها.
ولنشرع الآن في بيان معاني الصفات لغة واصطلاحا، وبيان عدد حروفها فنقول: