فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 259

وقال الرميلي في شرحه على الدرة: «وأما أخذ الأجرة على الإقراء: ففيه خلاف على مشهور بين العلماء فمنع أبو حنيفة والزهري وجماعة أخذ الأجرة، وأجازها الحسن وابن سيرين والشعبي إذا لم يشترط، ومذهب الشافعي ومالك وعطاء: جوازها إذا شارط واستأجره إجارة صحيحة.

قلت: لكن يشترط أن يكون في بلده غيره، أما إذا لم يكن غيره فلا يحلّ له أخذ الأجرة لأن الإقراء صار عليه واجبا.

قال في بستان العارفين: التعليم على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يعلّم للحسبة ولا يأخذ عوضا، والثاني: أن يعلّم بالأجرة، والثالث: أن يعلّم بغير شرط، فإذا أهدي إليه قبله، فأما إذا علّم للحسبة فهو مأجور فيه، وعمله عمل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأما إذا علّم بالأجرة فقد اختلف الناس فيه، قال أصحابنا المتقدمون: لا يجوز له أخذ الأجرة لأن النبيّ عليه الصلاة والسلام قال: «بلّغوا عني ولو آية» فأوجب على أمته التبليغ كما أوجب الله تعالى على النبيّ صلى الله عليه وسلم التبليغ، فكما لم يجز للنبيّ عليه الصلاة والسلام أخذ الأجرة فكذلك لا يجوز لأمته. وقال جماعة من العلماء المتأخرين مثل عصام بن يوسف ونصير بن يحيى وأبي نصر بن سلام وغيرهم: إنه يجوز. فالأفضل للمعلم أن يشارط على الأجر للحفظ وتعليم الهجاء والكتابة، فلو شارط لتعليم القرآن أرجو أن لا بأس به لأن المسلمين قد توارثوا ذلك واحتاجوا إليه.

وأما إذا علّم بغير شرط، وأهدي إليه وقبل الهدية فإنه يجوز في قولهم جميعا لأن النبيّ عليه الصلاة والسلام كان معلّما وكان يقبل الهدية. وروى أبو المتوكل الباجي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا في غزاة فمرّوا بحيّ من أحياء العرب فقالوا: هل فيكم من راق فإن سيد الحيّ قد لدغ؟ فرقاه رجل بفاتحة الكتاب، فبرأ، فأعطي قطيعا من الغنم، فأبى أن يأخذه، فسأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «بم رقيته» ؟ قال: بفاتحة الكتاب، قال: فما يدريك أنها رقية؟ خذها واضربوا لي معكم فيها بسهم». يعني أنّ أخذه مباح. اه.

وينبغي للمقرئ أن يتخلق بالأخلاق الحميدة المرضيّة من الزهد في الدنيا والتقلل منها، وعدم المبالاة بها وبأهلها، والسخاء، والحلم، والصبر، ومكارم الأخلاق، وطلاقة الوجه من غير خروج إلى حد الخلاعة، وملازمة الورع، والخشوع، والسكينة، والوقار، والتواضع، والخضوع. وينبغي له تحسين هيئته وليحذر من الملابس المنهيّ عنها، ومما لا يليق بأمثاله، ويجلس غير متكئ، مستقبل القبلة، متطهرا طهارة كاملة، خصوصا إذا كان معلما للصبيان لأنه يحتاج إلى مس المصحف والألواح، وينبغي له أن يزيل نتن إبطيه أو ما له رائحة كريهة بما أمكن له، ويمسّ من الطّيب ما يقدر عليه، ولا يعبث بلحيته، ولا بغيرها، وليحفظ بصره عن الالتفات إلا لحاجة، وليكن متدبرا في معاني القرآن، ساكن الأطراف إلا إذا احتاج إلى إشارة للقارئ، فيضرب بيده الأرض ضربا خفيفا، أو يشير بيده أو برأسه ليفطن القارئ لما فاته، ويصبر عليه حتى يتفكر، فإن

تذكّر وإلا أخبره بما ترك. وليحذر كلّ الحذر من الرياء والحسد والحقد والغيبة، واحتقار غيره وإن كان دونه، والعجب، وقلّ من يسلم منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت