فهرس الكتاب

الصفحة 256 من 259

: فيجب عليه أن يخلص نيّته، ثم يجدّ في قطع ما يقدر عليه من العلائق والعوائق الشاغلة عن تمام مراده، وليبادر في شبابه وأوقات عمره للتحصيل، ولا يغترّ بخدع التسويف فهذه آفة الطالب، وأن لا يستنكف عن أحد وجد عنده فائدة، وليقصد شيخا كملت أهليته وظهرت ديانته، جامعا لتلك الشروط المتقدمة أو أكثرها، فإذا دخل عليه فليكن كامل الحال متنظفا متأدبا. ويجب عليه أن ينظر شيخه بعين الاحترام، ويعتقد كمال أهليته ورجحانه على نظرائه، فهو أقرب إلى انتفاعه ورسوخ ما يسمعه منه في ذهنه. قال إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى: «كنت أتصفح الورق بين يدي مالك رحمه الله تصفحا رفيقا هيبة له لئلا يسمع وقعها» . وقال الربيع

صاحب الشافعي: «ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليّ هيبة له» . فإن وقع من شيخه نقص فليجعل النقص من نفسه بأنه لم يفهم قول الشيخ. وقال السادة الصوفية: «من لم ير خطأ شيخه خيرا من صواب نفسه لم ينتفع» وكان بعضهم إذا ذهب إلى شيخه يتصدّق بشيء ويقول: اللهم استر عيب معلّمي عنّي ولا تذهب بركة علمه منّي. قال ابن غازي: وحيث عرفت فضل قرّاء القرآن والثواب المترتب لهم فينبغي لك تعظيمهم واحترامهم والقيام بمصالحهم واعتقاد صلاحهم والتأدّب في حقهم، فيتأدّب الشخص معهم كما يتأدّب في حضرة النبيّ صلى الله عليه وسلم لو كان موجودا لأنهم ورثوه من غير اجتهاد كما تلقّي من الحضرة النبوية، بخلاف غيرهم من العلماء فإن المتعلم يتأدب معهم كما يتأدّب مع والده لأن العلم مأخوذ بالاجتهاد. قال الشيخ شرف الدين العمريطي في نظمه للأجرومية:

إذ الفتى حسب اعتقاده رفع ... وكلّ من لم يعتقد لم ينتفع

ومعناه أن الله تعالى يرفع كلّ شخص على حسب اعتقاده في شيخه، فإن لم يعتقد فيه لم ينفعه الله بعلمه ولا بقراءته، وينبغي أن لا يذكر عند شيخه أحدا من أقرانه، ولا يقول: قال فلان خلافا لقولك. وأن يردّ غيبة شيخه إذا سمعها إن قدر، فإن تعذّر عليه ردّها قام وفارق ذلك المجلس، وإذا قرب من حلقة الشيخ فليسلّم على الحاضرين، وليخصّ الشيخ بالتحية، ولا يتخطّى رقاب الناس، بل يجلس حيث انتهى به المجلس إلا أن يأذن له الشيخ في التقدم، ولا يقيم أحدا من مجلسه فإن آثره لم يقبل اقتداء بابن عمر رضي الله عنهما إلا أن يقسم عليه أو يأمر الشيخ بذلك، ولا يجلس بين صاحبين إلا بإذنهما، وإذا جلس فليوسع، ويتأدب مع رفقته وحاضري مجلس الشيخ فإنّ ذلك تأدب مع الشيخ وصيانة لمجلسه، ولا يرفع صوته رفعا بليغا، ولا يضحك، ولا يكثر الكلام، ولا يلتفت يمينا ولا شمالا، بل يكون مقبلا على الشيخ مصغيا إلى كلامه.

قال الشيخ محيي الدين النووي: «ومن آدابه أن يحتمل جفوة الشيخ وسوء خلقه، ولا يصدّه ذلك عن ملازمته واعتقاد كماله، فيتأوّل أفعاله وأقواله التي ظاهرها الفساد بتأويلات صحيحة، فلا يعجز عن ذلك إلا قليل التوفيق. وينبغي أن لا يقرأ على الشيخ في حالة شغل الشيخ وملله وغمّه وجوعه وعطشه ونعاسه وقلقه ونحو ذلك مما يشقّ على الشيخ أو يمنعه من كمال حضور القلب. وإذا أراد القراءة ينبغي له أن يستاك بعود من أراك فإنه أبقى للفصاحة وأنقى للنكهة، ويجوز له القيام لشيخه وأستاذه وهو يقرأ، أو لمن فيه فضيلة من علم أو صلاح أو سنّ أو حرمة بولاية أو غير ذلك.

وقال الشيخ النووي: «إنّ قيام القارئ في هذه الأحوال وغيرها مستحبّ، لكن بشرط أن يكون القيام على سبيل الإكرام والاحترام لا على سبيل الرياء والإعظام» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت