فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 259

المبالغة في الإتيان بالشيء على حقيقته من غير زيادة فيه ولا نقص عنه فهو بلوغ حقيقة الشيء، والوقوف على كنهه، والوصول إلى نهاية شأنه، وهو عند أهل هذا الفن عبارة عن إعطاء الحروف حقّها من إشباع المد، وتحقيق الهمز، وإتمام الحركات، وتوفية

الغنّات، وتفكيك الحروف وهو بيانها وإخراج بعضها من بعض بالسكت والترسّل والتّؤدة والوقف على الوقوف الجائزة، والإتيان بالإظهار والإدغام على وجهه، وهو مذهب ورش من غير طريق الأصبهاني عنه، وحمزة، وعاصم، وهو الذي يستحسن، ويستحب الأخذ به للمعلمين من غير أن يتجاوز فيه إلى حد الإفراط من تحريك السواكن وتوليد الحروف من إشباع الحركات وتكرير الراءات وتطنين النونات بالمبالغة في الغنّات، إلى غير ذلك مما تنفر عنه الطباع، وتمجّه القلوب والأسماع.

وأما الحدر فهو مصدر من حدر بالفتح يحدر بالضم إذا أسرع، فهو من الحدور الذي هو الهبوط لأن الإسراع من لازمه، وهو عندهم عبارة عن إدراج القراءة وسرعتها مع مراعاة أحكام التجويد من إظهار وإدغام وقصر ومدّ ووقف ووصل وغير ذلك، مع ملاحظة الجائز من الوقوف إذ مراعاة الوقف والابتداء وجوبا وامتناعا وحسنا وقبحا على ما يأتي بيانه من محاسن القراءة تزيدها رونقا وبهاء. وسئل الأهوازي عن الحذر فقال: الحدر هو القراءة السمحة العذبة الألفاظ التي لا تخرج القارئ عن طباع العرب العرباء، وعمّا تكلمت به الفصحاء، بعد أن يأتي بالرواية عن إمام من أئمة القراءة على ما نقل عنه من المدّ والهمز والقطع والوصل والتشديد والتخفيف والإمالة والتفخيم والاختلاس والإشباع، فإن خالف شيئا من ذلك كان مخطئا. وليحترز فيه عن بتر حروف المدّ، وذهاب صوت الغنّة، واختلاس أكثر الحركات، وعن التفريط إلى غاية لا تصحّ بها القراءة ولا توصف بها التلاوة، وهذا النوع وهو الحدر مذهب من قصر المنفصل كابن كثير وقالون وأبي عمرو ويعقوب وأبي جعفر والأصبهاني عن ورش.

وأما التدوير: فهو عبارة عن التوسّط بين مرتبتي التحقيق والحدر وهو الذي ورد عن أكثر الأئمة ممن روى مدّ المنفصل ولم يبلغ فيه حدّ الإشباع كابن عامر والكسائي.

وأما الترتيل: فهو مصدر من رتّل فلان كلامه إذا أتبع بعضه بعضا على مكث وتفهم من غير عجلة، وهو الذي نزل به القرآن قال الله تعالى: {وَرَتَّلْنََاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: الآية 32] روي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يحبّ أن يقرأ القرآن كما أنزل» أخرجه ابن خزيمة في صحيحه. وقد أمر الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم فقال:

{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمّل: الآية 4] قال ابن عباس: بيّنه. وقال مجاهد: تأنّ فيه. وقال الضحاك: انبذه حرفا حرفا كأن الله تعالى يقول تثبّت في قراءتك، وتمهّل فيها وافصل الحرف من الحرف الذي بعده، ولم يقتصر سبحانه على الأمر بالفعل حتى أكّده بالمصدر اهتماما به وتعظيما له ليكون ذلك عونا على تدبّر القرآن وتفهّمه، وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يقرأ.

ففي جامع الترمذي وغيره عن يعلى بن مالك أنه سأل أمّ سلمة رضي الله عنها عن قراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإذا هي تنعت أي تصف قراءة مفسّرة حرفا حرفا. وقالت عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ السورة حتى تكون أطول من أطول منها» اه. وذكر بعض شراح الجزرية أن الترتيل نوع من التحقيق عند الأكثرين فكل تحقيق ترتيل، ولا عكس، وفرّق بعضهم بينهما بأن التحقيق يكون للرياضة والتعليم، وبأن الترتيل يكون للتدبر والتفكّر والاستنباط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت