فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 259

تنبيه: التحقيق كما في الحلبي على مقدمة التجويد لابن الجزري أن الإدغام مع عدم الغنة: محض كامل التشديد، ومعها: غير محض ناقص التشديد من أجل صوت الغنة الموجودة معه فهو بمنزلة الإطباق الموجود مع الإدغام في {أَحَطْتُ} [النّمل: الآية 22] و {بَسَطْتَ} [المائدة: الآية 28] اه. ومقتضاه أنه متى وجدت الغنة كان الإدغام غير محض ناقص التشديد سواء قلنا إنها للمدغم أو للمدغم فيه، ومقتضى كلام الجعبري أنه

محض كامل التشديد مع الغنة حيث كان للمدغم فيه لا للمدغم. نبّه عليه شيخنا رحمه الله تعالى. وما ذكر من أن الإدغام إذا صاحبته الغنة يكون إدغاما ناقصا هو الصحيح في النشر وغيره، خلافا لمن جعله إخفاء، وجعل إطلاق الإدغام عليه مجازا كالسخاوي رحمه الله. ويؤيد الأول وجود التشديد فيه إذ التشديد ممتنع مع الإخفاء [اه. إتحاف البشر] .

ثم اعلم أن النون الساكنة مع حروف الإدغام لا تدغم إلا إذا كانت متطرفة بأن يكون المدغم والمدغم فيه من كلمتين، أما إذا كانت متوسطة بأن كانا أي المدغم والمدغم فيه من كلمة نحو {الدُّنْيََا} [البقرة: الآية 85] و {بُنْيََانٌ} [الصف: الآية 4] و {قِنْوََانٌ} [الأنعام: الآية 99] و {صِنْوََانٌ} [الرّعد: الآية 4] ولا خامس لهن: فإنها تظهر لئلا يلتبس بالمضاعف لو أدغم، وهو ما تكرّر أحد أصوله ك (صوان) و (رمان) و (ديّان) لأنك إذا قلت (الديا) و (صوان) ألبس ولم يفرق السامع بين ما أصله النون وبين ما أصله التضعيف، فلم يعلم أنه من (الدني) و (الصنو) أو من (الدي) و (الصو) ، فأبقيت النون مظهرة، ولذلك أشار الشاطبي فقال:

وعندهما للكلّ أظهر بكلمة ... مخافة إشباه المضاعف أثقلا

فإن قلت: هلّا أدغم بغنّة فيحصل الفرق بها بين المضاعف وغيره؟ فالجواب: أنها لما كانت فارقة فرقا خفيّا لم يكن الفرق معتبرا فمنع الإدغام خوفا من اللبس ظاهرا، ولذلك أظهرها العرب مع الميم في كلمة واحدة حيث قالوا «شاة زنماء» و «غنم زنم» ولم يقع في القرآن مثله اه.

القسم الثالث: أنهما يدغمان بلا غنة في اللام والراء، فيبدل كلّ من النون الساكنة والتنوين لاما ساكنة عند اللام، وراء عند الراء، ويدغم فيما بعده إدغاما تامّا لجميع القراء، نحو {مِنْ لَدُنْهُ} [النّساء: الآية 40] و {يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ} [العاديات: الآية 11] و {عَنْ رَبِّهِمْ} [المطفّفين: الآية 15] و {رَؤُفٌ رَحِيمٌ} [التّوبة: الآية 128] هذا ما قرأنا به من طريق الشاطبية والتيسير، وقرئ لنافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو ويعقوب وابن عامر وحفص بإدغامهما بغنة عند الحرفين المذكورين من طريق الطيبة والنشر ولطائف الإشارات. ويسمّى الأوّل إدغاما كاملا لذهاب الغنة منه، وهذا هو المشهور المأخوذ به، ويسمى الثاني إدغاما ناقصا لبقاء أثر الغنة معه.

إن قلت: أليس يستثنى من الإجماع المذكور قوله: {مَنْ رََاقٍ} [القيامة: الآية 27] فإنّ حفصا لا يدغم النون في الراء هنا بل يسكت على «من» ثم يقول: {رََاقٍ} ؟ قلت: لا يستثنى لأن إدغامهما فيهما إنما يكون عند ملاقاتهما إياهما، والسكتة تمنع الملاقاة،

وتفصل بين الحرفين، فلو لم يسكن حفص هنا لأدغم البتة. ووجه إدغامهما فيهما: قرب مخرجهن لأنهن من حروف طرف اللسان، أو كونهن من مخرج واحد على رأي الفرّاء، وكلّ منهما يستلزم الإدغام، وأيضا لو لم يدغما فيهما لحصل الثقل لاجتماع المتقاربين أو المتجانسين فبالإدغام يحصل الخفة لأنه يصير في حكم حرف واحد. ووجه حذف الغنة المبالغة في التخفيف لأن بقاءها يورث ثقلا ما. وسبب ذلك قلبهما حرفا ليس فيه غنّة ولا شبيها بما فيه غنة، واختير عدم الغنة حيث لم تثبت النون رسما نحو {أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ} [الكهف: الآية 48] و {أَلَّنْ نَجْمَعَ} [القيامة: الآية 3] و {أَلََّا تَزِرُ وََازِرَةٌ} [النّجم: الآية 38] و {أَلََّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ} [طه: الآية 89] و {أَلََّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللََّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ} [هود: الآية 2] ونحو {إِلََّا تَنْصُرُوهُ} [التّوبة: الآية 40] و {إِلََّا تَنْفِرُوا} [التّوبة: الآية 39] فإن ثبتت النون في الرسم نحو {أَنْ لََا مَلْجَأَ} [التّوبة: الآية 118] و {أَنْ لََا يَقُولُوا} [الأعراف: الآية 169] كما سيأتي بيان ذلك في المقطوع والموصول جاز إدغامها في اللام وإظهار الغنة معها، ولو وقعت النون الساكنة قبل اللام والراء في كلمة لكانت مظهرة لئلا يلتبس بالمضاعف، ولم يقع ذلك في القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت