فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 259

فإن قلت: النون من طرف اللسان وفوق الثنايا، والميم من بين الشفتين وبينهما مخارج، فلم ساغ الإدغام مع التباعد؟ أجيب: بأنه قد يحصل للمتباعد وجه يسوغ إدغامه فالوجه الذي قرّب بين النون والميم ونحوهما هو الغنّة التي اشتركا فيها، فصارا بذلك متقاربين [اه. لطائف] .

وفي شرح الميهي على تحفة الأطفال: وجه إدغامهما في النون: التماثل فهو من باب إدغام المثلين. وجه إدغامهما في الميم: التجانس أي الاشتراك في الغنة والجهر والانفتاح والاستفال، والكون بين الرخوة والشديدة. اه.

القسم الثاني: في إدغامهما في الواو والياء: اتفق القراء على إدغامهما فيهما من كلمتين كما أشار إليه أبو شامة نحو {مِنْ وََالٍ} [الرّعد: الآية 11] و {مَنْ يَقُولُ} [البقرة:

الآية 8]و {يَوْمَئِذٍ وََاهِيَةٌ} [الحاقّة: الآية 16] و {آيَةً يُعْرِضُوا} [القمر: الآية 2] . ولكن اختلفوا في بقاء الغنة عند الإدغام فقرأ خلف عن حمزة بعدم بقائها أصلا مع إدغامهما فيهما، فيكون إدغاما تامّا مستكمل التشديد، وقرأ الباقون بإدغامهما فيهما مع بقاء غنة ظاهرة، فيكون إدغاما ناقصا غير مستكمل التشديد. ووجه إدغامهما في الواو وفي الياء التجانس في الانفتاح والاستفال والجهر، ومضارعتهما النون والتنوين باللين الذي فيهما لأنه شبيه بالغنّة حيث يتّسع هواء الفم فيهما، وأيضا فإن الواو لمّا كانت من مخرج الميم أدغما فيها كما أدغما في الميم، ثم أدغما في الياء لشبهها بما أشبه الميم وهو الواو. والحجة للأكثرين في بقاء الغنة عند الياء والواو: ما في بقائها من الدلالة على الحرف المدغم، ويقوّي ذلك أنهم مجمعون على بقاء صوت الإطباق مع الطاء إذا أدغمت في التاء، نحو {بَسَطْتَ} [المائدة: الآية 28] و {أَحَطْتُ} [النّمل: الآية 22] فبقاء الإطباق مع إدغام الطاء شبيه ببقاء الغنة مع إدغام النون، والحجة لخلف في إذهاب الغنة أن حقيقة الإدغام أن ينقلب الحرف الأول من جنس الثاني، ويكمل التشديد، ولا يبقى للحرف ولا لصفاته أثر. واتفق العلماء على أن الغنة مع الواو والياء غنة المدغم، ومع النون غنة المدغم فيه.

واختلفوا مع الميم فذهب أبو الحسن بن كيسان النحوي وأبو بكر بن مجاهد المقري وغيرهما إلى أنها غنة المدغم من النون والتنوين تغليبا للأصالة لأن النون أو التنوين قد انقلبا إلى لفظ الميم، وهو اختيار الداني والمحققين، وهو الصحيح لأن الأول قد ذهب بالقلب فلا فرق بين «من من» و «إن من» وبين «هم من» و «أم من» ولا بد أن تكون الغنة في النونين أظهر من غيرهما.

تنبيه: التحقيق كما في الحلبي على مقدمة التجويد لابن الجزري أن الإدغام مع عدم الغنة: محض كامل التشديد، ومعها: غير محض ناقص التشديد من أجل صوت الغنة الموجودة معه فهو بمنزلة الإطباق الموجود مع الإدغام في {أَحَطْتُ} [النّمل: الآية 22] و {بَسَطْتَ} [المائدة: الآية 28] اه. ومقتضاه أنه متى وجدت الغنة كان الإدغام غير محض ناقص التشديد سواء قلنا إنها للمدغم أو للمدغم فيه، ومقتضى كلام الجعبري أنه

محض كامل التشديد مع الغنة حيث كان للمدغم فيه لا للمدغم. نبّه عليه شيخنا رحمه الله تعالى. وما ذكر من أن الإدغام إذا صاحبته الغنة يكون إدغاما ناقصا هو الصحيح في النشر وغيره، خلافا لمن جعله إخفاء، وجعل إطلاق الإدغام عليه مجازا كالسخاوي رحمه الله. ويؤيد الأول وجود التشديد فيه إذ التشديد ممتنع مع الإخفاء [اه. إتحاف البشر] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت