فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 259

وإذا أنكر شخص وجوبه فهل هو مصيب أو مخطئ؟ وماذا يترتب عليه في إنكار ذلك؟ أفتونا أثابكم الله!! فأجاب بقوله: الحمد لله الهادي للصواب، نقول بالوجوب في جميع ذلك من أحكام النون والتنوين والمدّ اللازم والمتصل، ولم يرد عن أحد من الأئمة أنه خالف فيه، وإنما تفاوتت مراتبهم في المد المتصل مع اتفاقهم على أنه لا يجوز قصره كقصر المنفصل في وجه من الوجوه، وقد أجمعت الفقهاء والأصوليون على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ مع وروده في الجملة فما بالك بقراءة ما لم يرد أصلا! وقد نصّت الفقهاء على أنه إذا ترك شدّة من الفاتحة كشدّة (الرحمن) منها بأن جزم اللام وأتى بها ظاهرة فلا تصح صلاته، ويلزم من عدم الصحة التحريم لأن كلّ ما أبطل الصلاة حرم تعاطيه، ولا

عكس، وقد قال ابن الجزري في التمهيد: «ما قرئ به وكان متواترا فجائز وإن اختلف لفظه، وما كان شاذا فحرام تعاطيه، وما خالف ذلك فكذلك، ويكفّر متعمّده، فإذا تقرر ذلك فترك ما ذكر ممتنع بالشرع، وليس للقياس فيه مدخل، بل هو محض اتباع. وقد قال العلّامة ابن الجزري:

والأخذ بالتجويد حتم لازم ... من لم يجوّد القرآن آثم

فيجب على كل عاقل له ديانة أن يتلقاها بالقبول عن الأئمة المعتبرين، ويرجع إليهم في كيفية أدائه لأن كل فن إنما يؤخذ عن أهله فاعتن به، ولا تأخذ بالظن، ولا تنقله عن غير أهله.

ويجب على المعلم للقرآن من فقيه الأولاد وغيره أن يعلّم تلك الأحكام وغيرها مما اجتمعت القرّاء على تلقيه بالقبول لأن كل ما اجتمعت عليه القراء حرمت مخالفته، ومن أنكر ذلك أي مما تقدم كله فهو مخطئ آثم يجب عليه الرجوع عن هذا الاعتقاد والله يقول الحق وهو يهدي السبيل». اه.

باختصار.

وقال ابن غازي في شرحه: «الواجب في علم التجويد» ينقسم إلى قسمين:

أحدهما شرعي: وهو ما أجمع عليه القرّاء كالإخفاء، والإدغام، والإظهار، والإقلاب، وترك المد فيما أجمع على قصره، وترك القصر فيما أجمع على مده، وغير ذلك مما ليس فيه خلاف. فهذا الواجب يفسّق تاركه، ويكون مرتكبا لكبيرة كما دلّ عليه الحديث السابق وهو: «اقرءوا القرآن بلحون العرب» الحديث.

والثاني صناعي: وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: ما كان من مسائل الخلاف نحو قوله: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهََارُ} آخر التوبة [الآية: 89] ، ونحو قوله: {فَإِنَّ اللََّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الحديد: الآية 24] فإن الأول قرأه ابن كثير بزيادة (من) قبل {تَحْتِهَا الْأَنْهََارُ} وقرأه الباقون بترك تلك الزيادة، والثاني قرأه نافع وابن عامر وكذا أبو جعفر بترك (هو) فيصير اللفظ (فإن الله الغنيّ الحميد) وقرأه الباقون {فَإِنَّ اللََّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الحديد: الآية 24والممتحنة: الآية 6، وغيرها] بزيادة (هو) قبل (الغني) .

وهذا الواجب أعني ما كان من وجوه الاختلاف لا يأثم تاركه، ولا يتّصف بالفسق.

والثاني: ما كان من جهة الوقف: فإنه لا يجب على القارئ الوقف على محل معين بحيث لو تركه يأثم، ولا يحرم الوقف على كلمة بعينها إلا إذا كانت موهمة وقصدها، فإن اعتقد معناها كفر والعياذ بالله كأن وقف على قوله: {إِنَّ اللََّهَ لََا يَسْتَحْيِي} [البقرة: الآية 26] و {وَمََا مِنْ إِلََهٍ} [آل عمران: الآية 62] وغيرها و {إِنِّي كَفَرْتُ} [إبراهيم: الآية 22] وشبه ذلك. ومعنى قولهم: «لا يوقف على كذا» معناه أنه لا يحسن الوقف صناعة على كذا، وليس معناه أن الوقف يكون حراما أو مكروها، بل خلاف الأولى، إلا إن تعمد الوقف على نحو قوله: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قََالُوا} [المائدة: الآية 17] ونحو قوله: {لَقَدْ سَمِعَ اللََّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قََالُوا} [آل عمران: الآية 181] وابتدأ بما بعد ذلك: فيحرم عليه، فإن اعتقد معناه كفر كما هو ظاهر. اه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت