اعلم أن كلّا من الحروف الشديدة والرخوة ينقسم إلى مجهورة ومهموسة، أما الشديدة المجهورة فهي ستة أحرف: الهمزة، وحروف قطب جد، وأما الشديدة المهموسة فهي حرفان: الكاف والتاء الفوقية، وأما الرخوة المجهورة فهي ثمانية أحرف:
الضاد، والظاء، والذال، والغين المعجمات، والزاي، والألف المدّية، والواو، والياء مدّيين أم لا، وأما الرخوة المهموسة فهي ثمانية أحرف أيضا وهي الحروف المهموسة ما عدا الكاف والتاء الفوقية. وأما الحروف البينية فكلها مجهورة. فظهر من هذا التفصيل أنّ كلّا من المجهورة والمهموسة ينقسم إلى شديدة ورخوة، وإن كان للمجهورة قسم آخر وهو البينية.
ثم اعلم أن مبدأ أصوات جميع الحروف عند الجهر بالقراءة جهريّ، ولو كان الحرف مهموسا، وأن صوت الحرف وإن كان مجهورا فهو لا يتحقق بدون النفس، لأن حقيقة الصوت هو النفس المسموع كما سبق فاحتباس الصوت يستلزم احتباس النفس معه، وجريه يستلزم جريه، وأنّ نفس الحرف وإن كان مهموسا لا ينفكّ عن الصوت لأن حقيقة الحرف هو الصوت المعتمد على المخرج كما سبق، وأن نفس الحرف المجهور قليل ونفس الحرف المهموس كثير، فما ذكر من أنه قد يجري النفس ولا يجري الصوت كالكاف والتاء الفوقية معناه: يجري النفس الكثير ولا يجري الصوت القوي الذي حصل في مبدأ الحرف، وليس المراد نفي جريان الصوت بالكلية، ألا ترى أنه ذكر أن صوت الشين في الطش جار تمدّه إن شئت مع أن الشين مهموس كالكاف والتاء، وما ذكر من أنه قد يجري الصوت ولا يجري النفس كالضاد والغين المعجمتين معناه: يجري الصوت القوي ولا يجري معه نفس كثير كما يجري مع المهموس، وليس المراد نفي جريان النفس بالكلية ألا ترى إلى ما قاله البعض وهو ابن الجزري إن الرخاوة جريان الصوت والنفس. إذا علمت هذا فاعلم أن صوت الحرف ونفسه إما أن يحتبسا بالكلية فيحصل صوت شديد وهو في الحروف الشديدة، أو لا يحتبسا أصلا بل يجريان جريانا كاملا وهو في الحروف الرخوة، أو يتوسطان بين كمال الاحتباس وكمال الجري وهو في الحروف البينية، فهذه ثلاثة أنواع ففي النوع الأول إن جرى بعد ذلك الاحتباس نفس كثير فالحرف شديد مهموس، وإن لم يجر فالحرف شديد مجهور. وفي النوع الثاني إن كان صوت الحرف جاريا كلّه مع نفس قليل فالحرف رخو مجهور، وإن كان جاريا كلّه مع نفس كثير فالحرف رخو مهموس. وقد عرفت أن المهموس في اصطلاحهم ما كان بعض صوته خفيّا عند الجهر بالقراءة، وهو آخره إذ مبدؤه جهري البتة حينئذ. ولا تجد حرفا كل صوته خفيّ عند الجهر بالقراءة فمن عدّ الكاف والتاء من المجهورة بناء على أن الشدّة تؤكد الجهر فقد وهم إذ لو كان كذلك لكان جميع الحروف مجهورا. والنوع الثالث: مجهور كله. إن قلت: الهمس جريان النفس، وهو يستلزم جريان الصوت، والشدة احتباس الصوت، وهو يستلزم احتباس النفس، فبين الهمس والشدة تناقض فكيف تكون الكاف والتاء شديدتين مهموستين؟ قلت: الشدة
في آن والهمس في زمان آخر يعني أن شدتهما باعتبار الابتداء، وهمسهما باعتبار الانتهاء فإن الصوت يجري معهما آخرا، وشرط التناقض اتحاد الزمن، وقد اختلفا هنا ففي كل منهما صوتان: الأوّل قوي والثاني ضعيف. وقولنا: «والثاني ضعيف» احتراز عن حروف القلقلة فإنها وإن كان فيها صوتان إلا أن ثانيهما قوي. مثال التاء الموقوف عليها: {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلََامََاتٍ} [النحل: الآيتان 15، 16] ، والكاف: