قال المرعشي في رسالته: هي في اللغة شدّة الصياح كما نقل عن الخليل. وتجيء بمعنى التحريك. قال في الصحاح: «قلقله قلقلة وقلقالا فتقلقل أي حرّكه فتحرّك واضطرب» . واصطلاحا على ما صرّح به أبو شامة نقلا عن صاحب الرعاية: صوت زائد حدث في المخرج بعد ضغط المخرج وحصول الحرف فيه بذلك الضغط، وذلك الصوت الزائد يحدث بفتح المخرج بتصويت، فحصل تحريك مخرج الحرف وتحريك صوته أما المخرج فقد تحرك بسبب انفكاك دفعيّ بعد التصاق محكم. وأما الصوت فقد تبدّل في السمع، وذلك ظاهر، فلك تعريف القلقلة بتحريك الصوت أو بتحريك المخرج، ويشترط عند الجمهور في إطلاق اسم القلقلة على ذلك
الصوت الزائد كونه قويّا جهريّا بسبب أنه حاصل بفك المخرج دفعة بعد لصقه لصقا محكما، ولذا خصّوا القلقلة بحروف اجتمعت فيها الشدة والجهر فالشدة تحصر صوت الحرف لشدة ضغطه في المخرج، والجهر يمنع جري النفس عند انفتاح المخرج، فيلتصق المخرج التصاقا محكما، فيقوى الصوت الحادث عند انفتاح المخرج دفعة. وهي حروف خمسة يجمعها قولك: (قطب جد) : القاف، والطاء المهملة، والباء الموحدة، والجيم، والدال المهملة. وإنما سميت بذلك لأن صوتها لا يكاد يتبين به سكونها ما لم تخرج إلى شبه المتحرك لشدة أمرها من قولهم قلقله إذا حركه، وإنما حصل لها ذلك لاتفاق كونها شديدة مجهورة، فالجهر يمنع النفس أن يجري معها، والشدّة تمنع أن يجري صوتها.
فلما اجتمع لها هذان الوصفان احتاجت إلى التكلف في بيانها، فلذلك يحصل ما يحصل من الضغط للمتكلم عند النطق بها ساكنة حتى تكاد تخرج إلى شبه تحريكها لقصد بيانها إذ لولا ذلك لما تبيّنت لأنه إذا امتنع النفس والصوت تعذّر بيانها ما لم يتكلّف بإظهار أمرها على الوجه المذكور، ولا فرق في هذه الأحرف بين أن تكون متطرفة ووقف عليها كقاف {خَلََاقٍ} [البقرة: الآية 102] ، وطاء {مُحِيطٌ} [آل عمران: الآية 120، وغيرها] ، وباء {قَرِيبٌ} [البقرة: الآية 186، وغيرها] ، وجيم {بَهِيجٍ} [الحج: الآية 5، وغيرها] ، ودال {مَجِيدٌ} [هود: الآية 73، وغيرها] ، أو متوسطة ساكنة: كقاف {خَلَقْنََا} [الأعراف: الآية 181، وغيرها] ، وطاء {قِطْمِيرٍ} [فاطر: الآية 13] ، و {أَطْوََارًا} [نوح: الآية 14] ، وباء {رَبْوَةٍ}
[المؤمنون: الآية 50] ، وجيم {اجْتَبََاهُ} [النحل: الآية 121، وغيرها] ، ودال {يَدْخُلُونَ}
[النساء: الآية 124، وغيرها] . [اه. مرعشي وابن غازي] . وقال في تبصرة المريد: وتنقسم القلقلة إلى ثلاثة أقسام: أعلى وهو في الطاء، وأوسط وهو في الجيم، وأدنى وهو في الثلاثة الباقية. وقال الشيخ حجازي في شرحه: وتجب المبالغة في القلقلة حتى يسمع غيرك نبرة قوية عالية بحيث تشبه الحركة أي حركة ما قبله، وتتبع الحرف بعد سكونه كما هو كلام الشيخ حفظه الله نقلا عن الكتب المعتبرة، فلا تتأتى القلقلة إلا بالجهر البالغ فمن اكتفى بإسماع نفسه لم يتّبع تعريف الجهر نفسه لأن أدنى الجهر إسماع غيره لا إسماع نفسه فمن أسمع القلقلة نفسه فقط لا يقال إنه أتى بالقلقلة وإنما يقال إنه ترك القلقلة، فهو لحن، ولا يحصل التشديد بالمبالغة فيها لأن التشديد يورث إلباث الحرف مقدار الحرفين، والقلقلة هي التحريك لا الإلباث. والله أعلم. اه. وقال المرعشي:
وينبغي أن يبالغ في إظهار القلقلة عند سكون الوقف كما أشار إليه ابن الجزري في نظمه بقوله:
وبيّنن مقلقلا إن سكنا ... وإن يكن في الوقف كان أبينا
والحاصل أن القلقلة صفة لازمة لهذه الأحرف الخمسة، لكنها في الموقوف عليه أقوى منها في الساكن الذي لم يوقف عليه، وفي المتحرك قلقلة أيضا لكنها أقل فيه من الساكن الذي لم يوقف عليه لأن تعريف القلقلة باجتماع الشدة والجهر كما في المرعشي يشير إلى أن حروف القلقلة لا تنفك عن القلقلة عند تحركها، وإن لم تكن القلقلة عند تحركها ظاهرة، كما أن حرفي الغنّة وهما النون والميم لا يخلوان عن الغنة عند تحركهما وإن لم تظهر. فبذلك تبيّن أن مراتبها ثلاثة، وهذه القلقلة بعضها أشد من بعض، وأقواها القاف بالاتفاق لشدة ضغطه واستعلائه، ولذلك قال بعضهم: إن أصل صفة القلقلة لها، ثم وصفوا الأربعة الباقية تبعا لها. [اه مرعشي وابن غازي] . ثم اعلم أن بعضهم أضاف إلى أحرف القلقلة الخمسة الهمزة معلّلا ذلك بأنها قد اجتمعت فيها الشدّة والجهر كما هو شأن أحرف القلقلة، ولكن الجمهور أخرجوها من أحرف القلقلة، ولعل سبب ذلك ما في الرعاية أن الهمزة كالتهوّع أي التقيؤ وكالسّعلة، فجرت عادة العلماء بإخراجها بلطافة ورفق وعدم تكلف في ضغط مخرجها لئلا يظهر صوت يشبه التهوع والسّعلة. وقال المقدسي في شرحه على الجزرية: إنما أخرجها الجمهور من حروف القلقلة لما يدخلها من التخفيف حالة السكون، ففارقت أخواتها، ولما يعتريها من الإعلال. وقال المرعشي في رسالته: ولم يعدّ الكاف والتاء المثناة الفوقية من حروف القلقلة مع أن فيهما صوتا زائدا حدث عند انفتاح مخرجيهما لأن ذلك الصوت فيهما يلابس جري نفس، أي بسبب ضعف الاعتماد على المخرج فهو صوت همس ضعيف، ولذا عدّتا شديدتين مهموستين، فلو لم يلابس ذلك الصوت فيهما بجري نفس لكان قلقلة ولكان التاء دالا.