-القسم الأول: أن لا يقدر على إظهار دينه أو يخشى على نفسه الفتنة فهذا: يجب عليه الهجرة مع القدرة، وإن بقي مع القدرة فهو آثم وقد نقل ابن كثير الإجماع على ذلك حيث قال تحت قوله تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة} قال:"هذه الآية عامة في كل من أقام بين المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنًا من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه مرتكب حرامًا بالإجماع ونص الآية"ولما تقدم من الأحاديث.
-القسم الثاني: أن يكون قادرًا على إظهار دينه وقد أمن من الفتنة على نفسه ودينه فهذا: أمره أخف من الأول إلا أن الهجرة في حقه من أقرب القرب لأنه بطول الزمن يأنس بالكفرة ويتأثر بأخلاقهم وقد يواليهم وهذا هو الواقع في حال كثير ممن يعيشون في بلاد الكفار ولذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين لا تراءا ناراهما) .
ـ وقاله تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت: 56] .
ـ قال البغوي رحمه الله:"سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين في مكة لم يهاجروا ناداهم الله باسم الإيمان".
ـ لكن إذا كان غير قادر على الهجرة فهو معذور كما قال تعالى: {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} [النساء: 98] .
ـ قال ابن كثير:"هذا عذر من الله تعالى لهؤلاء في ترك الهجرة وذلك لأنهم لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق"2/ 390، فعذرهم وتجاوز عنهم بترك الهجرة، وعسى من الله موجبة.
ـ وفي البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (كانت أمي ممن عذر الله عز وجل) .
ـ وكذا لو كان في بقائه مصلحة للمسلمين, إما في الدعوة أو الذب عن الإسلام وتثبيت المسلمين هناك, ونحو ذلك، فهذا بقاؤه مطلوب بشرط أن يأمن الافتتان والذوبان كما كان العباس بقي بعد إسلامه مدة ولم يهاجر إلا قبيل الفتح.