ثم بعد هذا الأمر من الله تعالى بالنصرة للإخوان في الله وفي الدين بين سبحانه أن المؤمنين ليس لهم أولياء إلا إخوانهم في الإيمان، أما الكافرون فيعضهم أولياء بعض. قال تعالى: {وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} (73) سورة الأنفال
يقول الحافظ ابن كثير: لما ذكر الله تعالى أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض قطع الموالاة بينهم وبين الكفار.
ثم يأتي بعد ذلك التحذير الرباني من التخلف عن هذه النصرة في الدين، وترك موالاة المؤمنين وطمس قضية [الولاء والبراء] وطرحها من عقيدة المسلم، قال تعالى محذرًا من ذلك بعد الأمر بالنصرة: {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} (73) سورة الأنفال (أي إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين وإلا وقعت فتنة في الناس وهو التباس الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل) .
وبعد هذا العرض السريع لبعض مفهوم النصرة في الدين نستطيع أن نحدد بعض نقاط من النصرة في الدين ونذكر من ذلك ما يلي:
1ـ النصرة بالنفس: وهذه النصرة في الدين بالنفس من أعلى مقامات النصرة والموالاة وذلك لأن المؤمن فيها يحمل روحه على أكفه لنصرة إخوانه في الدين، وحماية لعرض المسلم، وصونًا لمقدسات المسلمين، وحقنًا لدم المسلم، وحفاظًا على أرض الإسلام والمسلمين، فيهب المسلم في المشرق لنصرة أخًا له في المغرب، تحقيقًا للموالاة، وانطلاقًا من الأخوة.
فلا يبالي المسلم الحق بأي خطر، ولا يحمل هم أهل ولا ولد، ولا منعه زوجة ولا رغد عيش، عن نصرة إخوانه في الله، فكل شيء يضعف وتقل قيمته أمام هذا الواجب الإيماني في نصرة المسلم في أي مكان كان، ومهما كان لونه، ومهما اختلفت لغته، ومهما بعد قطره, فهو حلقة في هذا العقد لإسلامي الواحد المترابط، وهو عضو في هذا الجسد الإسلامي الواحد، فيا له من دين عظيم يربي رجالًا عظامًا، يأبون إلا العزة والكرامة والريادة والقيادة فحقًا: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (8) سورة المنافقون.