فنرى هذا الذي يكفل أخًا له من المهاجرين، وهذا الذي يهبه داره، وثالثًا يشاطره ماله، ورابعًا يعرض عليه أن يطلق له إحدى زوجتيه لكي يعفه ونصرة له، الله أكبر إنها النصرة في الله تعالى والموالاة لعباد الله المؤمنين في أعلى صورها المشرفة والمشرقة. ويعبر لنا القرآن الكريم عن هذا الموقف ويرسم لنا هذه الصورة في أروع تعبير، وأوضح بيان وأبدع تركيب، قال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} (9) سورة الحشر.
ويعلل الله تعالى لهذه المواقف الإيمانية وهذه الموالاة وهذه النصرة بأن ذلك من مقتضيات الموالاة في الله تعالى وأن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} (72) سورة الأنفال.
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله:
ذكر الله تعالى أصناف المؤمنين وقسمهم إلى [مهاجرين] خرجوا من ديارهم وأموالهم وجاءوا لنصر الله ورسوله وإقامة دينه، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في ذلك.
وإلى [أنصار] وهم المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم وواسوهم في أموالهم ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم (فبعضهم أولياء بعض) أي: (كل منهم أحق بالآخر من كل أحد) ولهذا آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصار كل اثنين فكانوا يتوارثون بذلك إرثًا على القرابة حتى نسخ الله تعالى ذلك بالمواريث.
ويزيد الله الأمر تأكيدًا ووضوحًا في وجوب النصرة بين المؤمنين بعضهم وبعض وذلك بأمر صريح، وخاصة إذا هذه النصرة في قتال ديني فإنه يزيد الأمر وجوبًا لأنهم إخوانهم في الدين تجمعهم أخوة الدين التي هي أوثق من أخوة النسب.
وذلك في قوله تعالى: {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} (72) سورة الأنفال.