فهرس الكتاب

الصفحة 1020 من 2014

( «حَذْوَ القذّة بالقذّة» ) ، ( «حَذْوَ» ) بنصبها على المصدرية، أي تحذون حذوهم، العامل فيه محذوف ( «حَذْوَ» ) ، أي تحذون حذوهم، فهو منصوب على المصدر، ويحتمل أنها منصوبة على الحال من فاعل تتبعن، أي حال كونكم محاذين تفسر بمشتق، محاذين لهم حذوا القذة بالقذة، والقذة بضم القاف واحدة القذذ وهي ريش السهم، وله قذتان متساويتان، أي لتفعلن أفعالهم ولتتبعن طرائقهم حتى تُشبهوهم وتحاذوهم كما تُشبه قذة السهم القذة الأخرى، لا بد أن تكون متساوية وإلا ما أجزأ الرمي، وتساويها لا تزيد واحدةٌ على الأخرى، وهذا مبالغةٌ منه - صلى الله عليه وسلم - في الوصف، بمعنى أنه سيقع في هذه الأمة ما يساوي تلك الأمم السابقة، وجملة ( «حَذْوَ القذّة بالقذّة» ) كما ذكرنا ليست في الصحيحين وإنما هي في مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ثم إن هذا اللفظ هنا لفظ خبرٍ لكن معناه ماذا؟ معناه النهي عن متابعته، لأنه يرد السؤال هل نهانا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن متابعتهم؟ نقول: نعم، كيف نهانا أين الصيغة؟ ( «لتتبعن سنن من كان قبلكم» ) هذا خبر من النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن هذا سيقع، لكنه يتضمن ماذا؟ يتضمن النهي عن متابعتهم، فهو اللفظ خبرٌ معناه النهي عن متابعتهم ومنعهم من الالتفات لغير دين الإسلام ( «حتى لو دخلوا جُحر ضب لدخلتموه» ) ، الجُحر بضم الجيم معروف وهو غار الضب وهو صغير، والمراد لو تُصُوِّرَ دخولهم جُحر ضب مع ضيقه لدخلتموه لشدة سلوكهم طريق من قبلهم. وفي هذه الجملة تأكيد من النبي - صلى الله عليه وسلم - للمتابعة.

وجاء في حديث آخر «حتى لو كان فيهم من أتى أمه علانيةً لكان في أمتي من يصنع ذلك» ، وفي آخر «حتى لو أن أحدهم جامع امرأته في الطريق لفعلتموه» ، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أمته ستفعل ما فعلته اليهود والنصارى وفارس من الأديان والعادات والأخلاق.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: هذا خرج مخرج الخبر والذّمّ بمن يفعله. ليس المراد الخبر فقط أنه سيقع، لا، خبر وذم ونهي، هذا خرج مخرج الخبر والذم لمن يفعله كما كان يُخبر عما يكون بين يديّ الساعة من الأشراط والأمور المحرمة. وقال رحمه الله تعالى: وجماع ذلك أن كفر اليهود أشد من جهة عدم العمل بعلمهم - كما هو معلوم - فهم يعلمون الحق ولا يتبعونه عملًا ولا قولًا، وكفر النصارى من جهة عملهم بلا علم فهم يجتهدون في أصناف العبادات بلا شريعة من الله، ويقولون ما لا يعلمون، ففي هذه الأمة من يحذو حذو الفريقين، ولهذا كان السلف كسفيان بن عيينة رحمه الله تعالى يقولون: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود. إذًا العالم قد يَفْسُد ليس كل من اتصف بالعلم فهو معصوم، لا، قد يَفْسُد قد يَرْتَدّ، قد يقع في الزندقة، قد يبتدع .. إلى آخره، فليس كل من بلغ في العلم منزله حينئذٍ نزلنا عليه العصمة وادعينا العصمة، لا، من فسد من علمائنا ففيه شبهٌ من اليهود، ومن فسد من عبَّادنا ففيه شبهٌ من النصارى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت