قال: ( «فرأيت مشارقها ومغاربها» ) ، رأيت أي أبصرت بعيني فهي رؤية عينية وليست منامية كما قال بعضهم، لأن رأى هنا ظاهره ماذا؟ لو كانت منامية لم يكن فيه شيءٌ مما يتعلق بالمعجزة.
( «مشارقها ومغاربها» ) . قال القرطبي رحمه الله تعالى: أي جمعها لي حتى أبصرت ما تملكه أمتي من أقصى المشارق والمغارب منها، وظاهر هذا اللفظ - هكذا قال القرطبي: وظاهر هذا اللفظ يقتضي أن الله تعالى قوَّى إدراك بصره ورفع عنه الموانع المعتادة، فأدرك البعيد من موضعه كما أدرك بيت المقدس من مكة، وأخذ يخبرهم عن آياته وهو ينظر إليه، وكما قال - صلى الله عليه وسلم: «إني لأبصر قصر المدائن الأبيض» . ويحتمل أن يكون مثلَّها الله له، والأول أولى. ويقصد القرطبي رحمه الله تعالى أن الشأن هنا في كون الباري جل وعلا زوى له الأرض فرأى مشارقها ومغاربها أن الشأن هنا كالشأن فيما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في البخاري من حديث جابرٍ قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لَمَّا كذبتني قريشٌ قمت بالْحِجْر فجَلَّى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه» . وعلى هذا فالأرض حينئذٍ لم تُجْمَع، على هذا القول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قوَّى الله تعالى بصره فرأى المشارق والمغارب، إذًا ما الدَّاعِي لقوله: «إن الله زوى لي الأرض» فإذا كان كذلك حينئذٍ يكون هذا النص مخالفًا لأوله «فرأيت مشارقها ومغاربها» يعني قوَّى بصري إذًا لم يَزْوِ له الأرض لم يجمع له الأرض، وذلك نقول: هذا ليس بصوابٍ. والصحيح الذي يدل عليه ظاهر اللفظ، إذًا نقول: على قول القرطبي رحمه الله تعالى أن الأرض لم تجمع، وإنما قوّى الله تعالى بصر النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى رأى البعيد، والصحيح الذي يدل عليه ظاهر اللفظ هنا أن الأرض جُمِعَت فرأى النبي - صلى الله عليه وسلم - مشارقها ومغاربها رؤية بصرية حقيقيةٌ لا منامية، لم يرها في المنام، إنما رآه عيان، وليس هذا على الله بعزيز لأنه سبحانه على كل شيءٍ قدير، ومن قدرته سبحانه أن يجمع الأرض حتى يُشاهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ما سيبلغ ملك أمته منها.
وقوله: ( «فرأيت مشارقها ومغاربها» ) . أي أماكن الشرق والغرب منها، أي أقصى مشارق الأرض ومغاربها، رأيت المشرق والمغرب، ليس المراد به الشرق إنما المكان الذي يكون أقصى الشرق، والمكان الذي يكون أقصى الغرب هذا الذي عناه النبي - صلى الله عليه وسلم -.