إذًا قوله: ( «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها» ) على ظاهره، بمعنى أن الله تعالى جمع له الأرض فرآها مرة واحدة برؤيةٍ بصرية، ولا نقول بأن الله تعالى قوَّى بصره لأنه لم يكن في شيءٌ يزيد على اللفظ، بل هو مخالف لظاهر النص، ( «وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها» ) المراد بأمتي هنا أمة الإجابة التي آمنت برسوله - صلى الله عليه وسلم - سيبلغ ملكها ما زُوِيَ للرسول - صلى الله عليه وسلم - منها، وهذا هو الواقع وهذا الذي حصل ووقع، فإن مُلك هذه الأمة اتسع من المشرق والمغرب كذلك بخلاف الشمال والجنوب، اتسع من المشرق إلى السند والهند وما وراء ذلك، ومن المغرب إلى ما وراء المحيط ولكنه من الشمال والجنوب أقل بكثيرٍ، وهذا يُحَقِّقُ ما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قال القرطبي: هذا الخبر وُجِدَ مُخْبَرُهُ كما قاله، يعني ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قاله، فكان ذلك من دلائل نبوته، علمٌ من أعلامِ نبوته لأن أخبر عن غيبٍ سيقع فوقع كما أخبر به - صلى الله عليه وسلم -، وهذا يدل على صدقه عليه الصلاة والسلام، فكان ذلك من دلائل نبوته، وذلك أن ملك أمته اتسع إلى أن بلغ أقصى بحر طَنْجَة - بالنون والجيم - الذي هو منتهى عمارة المغرب إلى أقصى المشرق مما وراء خُرَاسان والنهرِ وكثيرٍ من بلاد الهند والسِّند والسغب ولم يتسع ذلك لاتساع من جهة الجنوب والشمال كما ذكرناه، ولذلك لم يذكر - صلى الله عليه وسلم - أنه أُرِيهِ ولا أخبر أن ملك أمته يبلغه، يعني لم يقل سيبلغ أمتي من الشمال والجنوب، وإنما قال: ( «مشارقها ومغاربها» ) ولذلك جاء كما اخبر به.
وقوله: ( «ما زَوَى لي منها» ) يحتمل أنه يكون مبنيًا للفاعل وهو أظهر، ويحتمل أن يكون مبنيًا للمفعول ( «ما زَوِيَ» ) ، وإذا تردد الأمر بين الاثنين فجعله للفاعل أولى، إذا تردد أن يكون الفعل مضبوطًا للفعال أو للمفعول يجوز الوجهان لكن إذا كان ثَمَّ رواية فلا إشكال أنه مقدم أو أنها مقدمة، وإن لم يكن حينئذٍ نقول: بناؤه للفاعل أولى. لماذا؟ لأنه الأصل، ضَرَبَ الأصل ضُرِبَ، ضُرِبَ فرعٌ وضَرَبَ أصلٌ، حينئذٍ حمل الكلام على أصله أولى من حمله على فرعه.
قوله - صلى الله عليه وسلم: ( «وأعطيت الكنزين: الأحمرَ والأبيضَ» ) بالنصب على أنه بدل من ( «الكنزين» ) بدل بالنصب، والذي أعطاه ( «وأعطيتُ» ) من الذي أعطاه؟ الله عز وجل هو الذي أعطاه، الذي أعطاه هو الله تعالى.