فهرس الكتاب

الصفحة 1026 من 2014

قال القرطبي رحمه الله تعالى: يعني بهما كنز كسرى وهو ملك الفرس، وكنز قيصر وهو ملك الروم وقصورهما وبلادهما، وقد دلَّ على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - حين أَخْبَرَ عن هلاكهما «والذي نفسي بيده لَتُنْفَقَنَّ كنوزهما في سبيل الله» . أقسم على ذلك - صلى الله عليه وسلم -، وكان ما أقسم عليه - صلى الله عليه وسلم - لأنه خبرٌ وقع في المستقبل، وعَبَّرَ بالأحمر عن كنز قيصر لأن الغالب عندهم كان الذهب، توجد الفضة لكن الغالب هو الذهب، وعَبَّر بالأبيض عن كنز كسرى لأن الغالب عندهم كان الجوهر والفضة، ويوجد الذهب لكن الغالب هو الفضة، وقد ظهر ذلك ووُجِدَ كذلك في زمان الفتوح في إمارة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فإنه سيق إليه تاج كسرى وحليته وما كان في بيوت أمواله وجميع ما حوته مملكته على سعتها وعظمتها، وكذلك فعل الله بقيصر لما فتحت بلاده. إذًا وقع ( «أعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض» ) هذا وقع في زمن عمر رضي الله تعالى عنهم.

ويدل هذا على أن قوله - صلى الله عليه وسلم - ( «أعطيتُ» ) مباشرةً أو بواسطةٍ؟ كونه وقع في زمن عمر قال: ( «أعطيتُ» ) الأصل ماذا؟ أعطاه مباشرةً لكن كونه لم يقع في زمانه وإنما وقع بعده دلّ على أن ما أعطيت أمته - صلى الله عليه وسلم - فقد أُعْطَاهُ هو، أليس كذلك؟ لأنه قال: ( «أعطيت» ) ، ( «أُعْطِيتُ» ) التاء فاعل دلّ على ماذا؟ على أن الأصل فيه المباشرة لكن لم يكن ذلك، ويدل هذا على أن قوله - صلى الله عليه وسلم: ( «أعطيتُ» ) يعني بعد موته وليس في حياته، فأُعْطِيَتْ أمته ذلك، لكن ما أعطيت أمته فهو كالْمُعْطَى له - صلى الله عليه وسلم - قوله: ( «وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بِسَنَةٍ بعامة» ) . هكذا ثبت في أصل المصنف ( «بِعَامة» ) بالباء، وغَلَّطَهُ بعضهم لكنها رواية صحيحة في صحيح مسلم وغيره، وفي بعض أصوله أصول المصنف بسنةٍ عامة بحذفها، وكلاهما وارد. قال القرطبي: وكأنها زائدة. وارد في صحيح مسلم بعامة، إذا كان كذلك فهي ثابتة. قال القرطبي: وكأنها زائدة. يعني على رواية بعامة، لأن عامة صفة لسنة، سنةٍ عامة، هذا الأصل، إذا كان كذلك فالباء زائدةٌ، وكأنه قال: بسنة عامة، والسَّنَة الْجَدْبُ العام الذي يكون به الهلاك العام، ويُسَمَّى الجدب والقحط سَنَةً، ويُجمع على سِنِين، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ} [الأعراف: 130] . {بِالسِّنِينَ} جمع سَنَة، يعني بالجدب المتوالي، وهو يهلك ويدمر، قال - صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف» . دعاء عليهم دل على ماذا؟ على أنه مُدَمّرٌ ومهلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت