فمن القول الإلهي قوله جل وعلا: ( {وَقَضَى رَبُّكَ} ) الآية التي معنا قضي يعني أمر ووصّى كما سيأتي فهذا قضاء قوليٌ أي أمر بذلك، وقال: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي} [الإسراء: 4] هذا قضاء بالإعلام والفصل في الحكم، أي أعلمناهم وأوحينا إليهم وحيًا جزمًا. إذًا في هاتين الآيتين القضاء الإلهي هنا قضاء قولي وليس بالفعلي.
ومن الفعل الإلهي قوله جل وعلا: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ} [غافر: 20] فالمراد بالقضاء هنا القضاء الفعلي، وهو منسوب إلى الرب جل وعلا، وأوضح منه قوله جل وعلا: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت: 12] خلقهن فالقضاء هنا {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} يعني خلقهن، فالقضاء هنا ليس قوليًّا وإنما هو فعليّ.
ومن القول البشري نحو قضى الحاكم بكذا، لو قال قائل: قضى الحاكم بكذا في مسألة كذا. إنما يكون قضاء الحاكم يكون بماذا؟ بالقول ولا يكون بالفعل، لأنه إنما يصدر فتوى ولكنها لازمة، والفرق بين القاضي والمفتي أن كلًا منهما يشتركان في إصدار الحكم الشرعي بناءً على دليل شرعي إلا أن قول القاضي ملزم وأما قول المفتي فليس بملزم، هذا الفرق بين النوعين، ومن الفعل البشري {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ} [البقرة: 200] فالقضاء هنا فعلي وليس بقولي وهو كذلك من البشر وليس من الخالق جل وعلا.
إذًا القضاء يكون قوليًّا، وقد يكون فعليًّا، وكل منهما إما بشريّ وإما الإلهيّ، والقضاء الله عز وجل نوعان - عند أهل السنة والجماعة - وبهذا الفصل بين النوعين تزول إشكالات كبرى بين الطوائف المنتسبة إلى الإسلام.
أولًا: قضاء كونيّ.
ثانيًا: قضاء شرعيّ.