فهرس الكتاب

الصفحة 1281 من 2014

ويجمع هذه الأنواع الثلاثة أنها محبةٌ ليست بعبادةٍ في ذاتها، فالأصل فيها الإباحة، وقد يعتريها إذا اقترن بها شيءٌ يصرفها عن الإباحة، مر معنا أن القاعدة [الوسائل لها أحكام المقاصد] ، وهذه متعلقة في الأصل بالمباحات، قد يكون المندوب واجبًا، وقد يكون المكروه محرمًا، لكن في الأصل هي متعلقةٌ بالمباحات، فالمباح إذا كان يتوصل به إلى محظورٍ شرعًا صار ماذا؟ صار محرمًا. هنا الأصل في هذه الأنواع الثلاثة الأصل الإباحة، إلا إذا اقترن بها ما يُؤثر في هذه النتيجة التي تترتب على هذه المحبة بأن يقع مخالفة لشرع الله عز وجل، حينئذٍ الحكم للنتائج لا للأصول، فيقال بأنها انقلبت في حقها فصارت محرمةً، فالأصل فيها الإباحة، ولكن إذا اقترن بها ما يقتضي التعبد صارت عبادةً. فإذا أحب العبد والده مثلًا محبتةً طبيعية، أو إجلال ونحو ذلك، واقترن بها أن يتعبد لله بهذا الحب من أجل أن يَبُرَّ والده حينئذٍ صارت ماذا؟ صارت عبادة، صارت واجبةً مندوبة؟ مبحثٌ آخر. صارت عبادة. إذًا إذا أحب والده يحبه محبةً طبيعية، ثم قد يجعل هذه المحبة ماذا؟ أنه ينوي بها أن يبر والده، وبر الوالدين هذا مندوبٌ شرعًا يعني محبوبٌ شرعًا، قد يكون واجبًا، وقد يكون مندوبًا فيه تفصيل، حينئذٍ نقول: أدت هذه المحبة إلى استثمارها في ماذا؟ في موافقة الشرع، فصارت هذه المحبة الطبيعية عبادة، لا لذاتها، وإنما لما ترتب عليها من التعبد لله عز وجل، وهل تنقلب المحبة ذاتها بأن تكون عبادة؟ مر بحثها في (( شرح الورقات ) )هناك. قلنا: الصواب أنها لا تنقلب. إذ الأصل في العبادات أنها توقيفية، فلا بد من أمرٍ شرعًا إما على جهة الإيجاب، وإما من جهة الاستحباب، وهذه لم يرد بها الشرع أمرًا، لم يرد بها أمرٌ من جهة الشرع، حينئذٍ المباح لا ينقلب عبادةً بذاتها - وإن شاع عن بعض السلف ذلك - وإنما نقول: يثاب على النية ثواب التعبد ثواب العبادة. وأما أنه ينام فالنوم صار عبادة؟ لا، ما صار عبادة النوم، وكذلك يأكل الأصل ما صار عبادة إلا في حالة واحدة وهي إذا قلنا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يُتَأسى به في ذلك، حينئذٍ النية تكون معتبرة هنا، وإلا على ما شاع عند أهل العلم نقول: عندنا أصل وهو أن العبادة توقيفية فلا بد من أمرٍ يقتضي الإيجاب أو الندب، وليس عندنا هنا هذا منتفٍ. فإذا كان كذلك فنقول: المباح يبقى مباحًا، ولكن يُثاب باعتبار ما ترتب عليه. قال كذلك: ويحب ولده محبة شفقة فإذا اقترن بها ما يقتضي أن يقوم بأمر الله وتربيته تربيةٍ شرعية حينئذٍ صارت عبادة، فكل أحوال الإنسان التي الأصل فيها الإباحة بحسن النية فيها يُصَيِّرُهَا عبادةً بهذا الاسم على ما شاع، وعلى ما نازعنا فيه أنه يُثاب على هذه النية ولا تسمى عبادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت