وقال ابن السعدي رحمه الله تعالى: هذا الباب عقده المصنف رحمه الله تعالى لوجوب تعلق الخوف والخشية بالله وحده، والنهي عن تعلقه بالمخلوقين، وبيان أنه لا يتم التوحيد إلا بذلك، وحينئذٍ كذلك جعله من مفردات التوحيد ولا إشكال في أن كل منهما ملازم للآخر، فإذا بوب لكون التوحيد لكون الخوف من الله فردًا من أفراد التوحيد عُلِمَ بدلالة الالتزام أنه لو صُرِفَ لغير الله تعالى يكون شركًا أكبر، لأنه كما ثبت قاعدة أن الشرك الأكبر هو صرف العبادة أو بعضها لغير الله تعالى، حينئذٍ نحتاج إلى أن نثبت أن الخوف من الله تعالى عبادة ونأتي بالقاعدة كل عبادة صرفها لغير الله تعالى يعتبر شركًا أكبر. وقد قال الله تعالى: {فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ} [آل عمران: 175] حينئذٍ أمر بالخوف وأثنى على أهله كما سيأتي، حينئذٍ ثبت أنه عبادة، فإذا كان كذلك فصرفه لغير الله تعالى يكون شركًا أكبر، لكن هل كل خوفٍ يكون صرفه لغير الله تعالى شركًا أكبر هذا محل تفصيل، فمن الخوف ما يكون شركًا منافيًا للتوحيد إما من أصله وإما كماله. ومناسبته للباب السابق ظاهرة، الباب السابق فيما يتعلق بالمحبة باب ما جاء في المحبة، وأو محبة الشركية وهي كالخوف كلا لهما متلازمان، المناسبة حينئذٍ تكون ظاهرةً حيث أعقب باب المحبة بباب الخوف، لأن العبادة تقوم على شيئين وهما ركيزتا العبادة:
المحبة، والخوف.
لا عبادة إلا بمحبةٍ وخوفٍ وزاد بعضهم الرجاء، وهذه ثلاثة أركان لا بد من استيفائها في العبادة، لا تكون العبادة عبادة إلا إذا كان صاحبها محبًّا خائفًا راجيًا، فالمحبة يحصل بها الامتثال وبالخوف يحصل به الاجتناب، بُعده عن المنهيات وكذلك بالعكس يعني فعل الطاعة قد يفعله الإنسان من جهة الخوف، وكذلك نرك المعصية قد يتركه الإنسان من جهة الخوف، والمحبة تكون داعية إلى العمل، فحينئذٍ لا بد من اجتماع هذين الأمرين، المحبة بها يحصل الامتثال امتثال أوامر الله تعالى يعني فعل الطاعات، وبالخوف يحصل الاجتناب، لكن هذا من جهة التقسيم العام، وكل منهما قد يدل على الآخر، وكذلك مع الرجاء، وبيان ذلك كما قال أهل العلم أن الأعمال الظاهرة لا تُقبل ما لم يساعدها عمل القلب، فثَمَّ تلازم بين الأمرين وهذا محل وفاق بين أهل السنة والجماعة أن الأعمال الظاهرة مصححةٌ للأعمال الباطنة، والأعمال الباطنة مصححةٌ للأعمال الظاهرة كالإسلام والإيمان كان منهما مصحح للآخر كما ذكرنا بالأمس، حينئذٍ الأعمال الظاهرة لا تُقبل حتى يقوم بالقلب من المحبة والخوف والرجاء والإخلاص والإنابة والرهب والرغب وغير ذلك، حينئذٍ ثم تلازم بين الأمرين.