ثَمّ أمران متنافيان، كيف شهدوا على أنفسهم بفعلهم وإن نفوا ذلك بألسنتهم فقد وقعوا في الكفر الأكبر والشرك بالله تعالى، وهذا ليس من شأنه أن يكون عامرًا لمساجد الله تعالى، إنما هو من شأن من آمن بالله واليوم الآخر، ثُمَّ بين سبحانه بعد ذلك النفي عن المشركين أن يكونوا من عمار مساجد الله، بيَّن سبحانه مَنْ هو حقيق بعمارة المساجد فقال: ( {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} ) ، إنما أداة حصر - كما مر معنا - ( {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} ) الْعِمَارَة فِعَالَة نقيض الخراب، يقال عَمَرَ أرضه يَعْمُرُها عِمَارةً، ويقال عَمَرْتُهُ فعَمَرَ فهو مَعْمُور، إذًا العمارة والخراب نقيضان، حينئذٍ لا يجتمعان، والمراد بالعمارة هنا في الآية إما المعنى الحقيقي، وإما المعنى المجازي.
المعنى الحقيقي من العمارة المراد بها ماذا؟ البناء، المراد به البناء، فيدخل ما يكون حسيًّا.
وأما المعنى المجازي، وإن شئت قل: المعنويّ ولا إشكال وهو ملازمته والتعبد فيه. يعني ملازمة المساجد والتعبد فيها، هذه عمارة، لكنها عمارة معنوية، والبناء وما يتعلق به هذه عمارة حسيّة، فهل المراد المعنيان أو لا؟ الصواب أنه يحمل على المعنيين، إن كان يردِّدَ الشوكاني في معنى الآية بين المعنيين، ولذلك قال المراد بالعمارة إما المعنى الحقيقيّ أو المعنى المجازيّ، بناء على ماذا؟ على الخلاف هل يصح الجمع بين الحقيقية والمجاز في لون واحد أو لا؟ فمن منعه لا بد من الترجيح، ومن جوَّزه وهو الصحيح فيُجمع على الأمرين، أو يُحمل على المعنيين، فنقول: المراد بالعمارة هنا العمارة الحسيّة، والعمارة المعنويّة. لكن الذي يدخل ابتداء هو العمارة المعنوية، ولذلك ذكر بعض الأفعال، قال: (مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ) فدلّ ذلك على أن الملاحظ هنا هو المعنى المعنويّ، وليس المعنى الحسّيّ، فالمراد بالعمارة إما المعنى الحقيقي، أو المعنى المجازي، وهو ملازمته والتعبد فيه، يعني في المسجد، وكلاهما ليس للمشركين، وعليه: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ} ينفى عنهم العمارة بنوعيها، الحسيّة والمعنوية، {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ} أن يبنوا المساجد، ليس من شأنهم، و {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ} أن يعمروها العمارة المعنوية، لأن العبادة لا تصح منهم، حينئذٍ انتفى عنهم الأمران، وكلاهما أي المعنى الحقيقي والمعنى المجازي ليس للمشركين.
أما الأول وهو الحقيقي فلأنه يستلزم المنة على المسلمين بعمارة مساجدهم، لو مُكِّنَ الكفار أن يبنوا للمسلمين مساجدهم حينئذٍ تكون لهم المنة، والأصل ألا تكون للكافر منة على المسلم وهذا محرم شرعًا ممنوع.