وأما الثاني وهو المجازي فلكون الكفار لا عبادة لهم مع نهيهم عن قربان المسجد الحرام، حينئذٍ لا عبادة لهم، وهذا التعبير تعبير الشوكاني رحمه الله تعالى، وأصل العبادة أنها مبنية على الإخلاص، فلبُّها الإخلاص، وتحقيق الإخلاص من الكافر هذا ممتنع، إذًا يمتنع أن يتعبد الكافر لانتفاء أحد ركني العبادة، وأما كونه منهيًا عن قربان المسجد الحرام هذا قد يقال بأنه أخصّ، لأن المراد بالمساجد على جهة العموم، ولو ذُكِرَ المسجد الحرام في الآية إلا أن غير المسجد الحرام كالمسجد الحرام في ذلك، فلا يبني المسجد الحرام كافر، ولا يعمره كافر، ولا تصح العمارة منه، كذلك غير المسجد الحرام لا يصح بناؤه من كافر، ولا تصح عمارته كذلك العمارة المعنوية من كافر، لانتفاء التعبد عنهم، ومن جَوَّزَ الجمع بين الحقيقة والمجاز حمل العمارة هنا عليهما على المعنيين، وهو الصواب في هذه الآية. ( {مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} ) ، ( {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ} ) ، ( {يَعْمُرُ} ) هذا فعل مضارع أين فاعله؟ ( {مَنْ آمَنَ} ) يعني المؤمنون بالله واليوم الآخر، ... و ( {مَسَاجِدَ} ) هذا بالنصب على أنه مفعول به. ومُنِعَ من الصرف لأنه على وزن مفاعل لم ينون، ( {مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} ) وفعل ما هو من لوازم الإيمان، من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولذلك قال: ( {مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ} ) ولا شك أن إقامة الصلاة داخلة في مسمَّى الإيمان، لأنه عَمَل، بل هي ركن، والزكاة إيتاء الزكاة كذلك داخلة في مسمّى الإيمان، إذًا آمن وفعل ما هو من لوازم الإيمان، فكل عبادة تذكر بعد صفة الإيمان فهي من لوازمها، بمعنى أن من آمن هو الذي يصلي، وأما من لم يؤمن فلن يصلي، كذلك من آمن هو الذي يزكي، من لم يؤمن فلا يزكي .. وهكذا ( {وَلَمْ يَخْشَ} ) ، ( {وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ} ) يعني ولم يخش أحدًا إلا الله، فمن كان جامعًا بين هذه الأوصاف: الإيمان بالله، واليوم الآخر، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأفرد الله تعالى بالخشية، من كان جامعًا بين هذه الأوصاف فهو الحقيق بعمارة المساجد، فهو الذي يعمر مساجد الله تعالى، لا من كان خاليًا منها أو من بعضها فليس أهلًا أن يكون من عمار المساجد، واقتصر على ذكر الصلاة والزكاة والخشية هذه الثلاث، يعني ذكر عملًا قلبيًا بعد صفة الإيمان ذكر عملًا قلبيًا وهو الخشية، والخشية المراد بها هنا الخوف وزيادة، أليس كذلك؟