-ويقال: وكَّلْتُهُ فتَوَكَّلَ لي، وتوكلت عليه بمعنى اعتمدته، وهذا المعنى المراد هنا قال عز وجل: {وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} يعني يعتمد على الله تعالى ويفوض أموره إليه جل وعلا. ووَاكَلَ فلانٌ إذا ضيع أمره مُتَّكِلًا على غيره، هنا أمر آخر والمادة واحدة حينئذٍ لا بد من ذكره. ففرق بين المتوكل وبين المتواكل. المتواكل إذا ضيَّع أمره واعتمد على غيره، ووَاكَل فلانٌ إذا ضيع أمره مُتَّكِلًا على غيره، وتَوَاكَل القوم إذا اتَّكَلَ كلٌ على الآخر، هذا ما يتعلق بالمعنى اللغوي.
إذًا مدار مادة على الاعتماد والتفويض ونحو ذلك. والتوكل عمل القلب قال الإمامُ أحمد رحمه الله تعالى: التوكل عمل قلبي. يعني محله في الأصل هو القلب، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون له ثمرةٌ وأثر في القلب كذلك وفي الجوارح. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ومعنى ذلك يعني معنى قول الإمام أحمد الذي ذكره في (( المدارج ) )وعلق عليه قال: ومعنى ذلك أنه عملٌ قلبيٌ ليس بقول اللسان ولا عمل الجوارح، عمل قلبي معناه ماذا؟ أنه ليس بقول اللسان ولا عمل الجوارح، وهذا يدل على أنه في الأصل هو عمل قلبي، وإذا قيل: أعمال القلوب. فالمراد بها أن محلها باعتبار الابتداء والكينونة هو القلب، ولا يلزم من ذلك ألا يكون لها أثر، بل إذا انتفى عمل الجوارح دل على انتفاء أعمال القلوب - كما مر معنا في الخوف والمحبة - لا بد من أثرٍ في الظاهر فإذا لم يكن ثَمَّ أثرٌ حينئذٍ نقول: عدم الأثر يدل على عدم وجود هذا العمل القلبي. فهو عبادة قلبية عظيمةٌ لا يقوم بها على وجه الكمال إلا خواص المؤمنين. على وجه الكمال وإلا وهو فرضٌ في أصله، ويتعلق بكل مؤمن بكل مسلم فانتفاؤه انتفاء للإسلام والإيمان، لا يوجد الإسلام عند انتفاء التوكل من أصله، ولا يوجد الإيمان عند انتفاء التوكل من أصله، فلا بد من وجوده لكن كماله على وجه الكمال حينئذٍ لا يأتي به إلا خواص المؤمنين. ومر معنا في صفة السبعين الذين يدخلون الجنة بلا حسابٍ ولا عذاب"وعلى ربهم يتوكلون". ولذلك أمر الله به في غير آية من القرآن العظيم بل جعله شرطًا في الإيمان والإسلام ينتفي الإسلام والإيمان عند انتفائه كما في الآية التي ترجم بها المصنف رحمه الله تعالى وغيره كما سيأتي.