فهرس الكتاب

الصفحة 1385 من 2014

وفي الحديث «لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تعدوا خماصًا وتروح بطانًا» . رواه أحمد وابن ماجة «لو أنكم توكلون» تتوكلون بحذف أحد التائين «على الله حق توكله» حق توكله بمعنى ماذا؟ أنه على وجه الكمال، وهذا إنما يكون في شأن الخواص خواص المؤمنين، والتوكل نصف الدين، والنصف الثاني الإنابة، فإن الدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو الاستعانة، والإنابة هي العبادة، ولذلك قال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] شَمِلَ الأمرين، أما معنى التوكل والمراد به وحقيقته هذا مما اختلف فيه كلام أهل العلم ولكن ذكر ابن القيم جملةً جيدة في (( مدراج السالكين ) ). قال رحمه الله تعالى: حقيقة الأمر أن التوكل حالٌ مركبةٌ من مجموع أمور لا تتم حقيقة التوكل إلا بها. بمعنى أن التوكل معناه ليس شيئًا واحدًا [بل] ولذلك أورد تعاريف، وكل واحدٍ من هذه التعاريف إما نظر إلى حكمٍ ترتب على التوكل، وإما نظر إلى أثر، وإما نظر إلى ابتدائه أو لانتهائه أو ثمرته، حينئذٍ كل واحد نظر إلى شيءٍ يتعلق بالتوكل، وأما حقيقة التوكل هو ما جمع هذه الأمور، ولذلك قال: حقيقة الأمر أن التوكل حالٌ مركبةٌ من مجموع أمور لا تتم حقيقة التوكل إلا بها. فأول ذلك أول درجةٍ في باب التوكل مقام التوكل ومنزلة التوكل معرفة الرب وصفاته، وهذا لا بد منها في كل عمل قلبي، فالحب حب الله تعالى والمحبة لا تكون إلا بعد معرفة الباري جل وعلا ومعرفة صفاته، الخوف من الله تعالى، الإنابة، الإخلاص كل عمل قلبي لا بد وأن يكون معتمدًا في الأساس على معرفة الباري جل وعلا، ولذلك من عرف ربه بأسمائه وصفاته حينئذٍ توجه إليه بكل عملٍ قلبي، لكن لا بد أن تكون المعرفة على الحقيقة وليست مجردة دعوى، فأول ذلك معرفة الرب وصفاته من قدرته، يعني أن له قدرة تامة وكفايته وقيوميته وانتهاء الأمور إلى علمه وصدورها عن مشيئته وقدرته، وهذا كما تفهم من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى وسيأتي أنه يُصرح بذلك أن متعلق التوكل هو أفعال الباري جل وعلا، يعني النظر في ربوبيته جل وعلا، ولذلك التفكر في آلائه وفيما يتعلق به من صفات حينئذٍ يثمر هذا النوع. وهذه المعرفة أول درجةٍ يضع بها العبد قدمه في مقام التوكل، وليس كما ذكرنا خاصًا بالتوكل، بل من أراد أن يحقق منزلة الخوف فكذلك معرفة الرب جل وعلا بصفاته وأسمائه الحسنى، كذلك الإخلاص، كل ما يتعلق بأعمال القلوب فمرده إلى معرفة الباري جل وعلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت