فهرس الكتاب

الصفحة 1386 من 2014

الدرجة الثانية: التي تعتبر جزءًا من مفهوم التوكل إثبات في الأسباب والمسببات. بمعنى أن ثَمَّ ما يتعلق بالسبب والْمُسَبَّب، ما علاقته بالتوكل؟ لا بد من إثبات كل منهما سببٌ ويترتب عليه مُسَبَّب، لأن الله تعالى حكيم، ومن حكمته جل وعلا علق المسببات بأسبابها، الذي يريد الولد لا بد أن يتزوج لا يمكن أن يبقى هكذا ويدعو الله تعالى، هذا يُعتبر من الاعتداء. إذًا لا بد من الأخذ بالأسباب، فحينئذٍ ربط الباري جل وعلا كل أمرٍ يتعلق بالخلق يعني المخلوقات لا بد من سببٍ وما يترتب عليه، السبب من الله تعالى، والمسبَّب كذلك من الله تعالى، لكن السبب يكون من فعل العبد نفسه، والله تعالى خلق العبد وما يفعله، فإثبات في الأسباب والْمُسَبَّبات، تقابله ماذا؟ الإثبات يقابله النفي. إذًا من نفى الأسباب أو نفي الْمُسَبَّبات حينئذٍ لا نصيب له من التوكل البتة، إثبات في الأسباب والْمُسَبَّبات، فإن من نفاها فتوكله مدخولٌ لا يقوم إلا على ساق إثبات الأسباب والْمُسَبَّبات، وأما من قال بأن الأشياء تكون هكذا والعبد يخلقها هذا لا حظ له ولا نصيب في التوكل، وهذا عكس ما يظهر في بادي الرأي أن إثبات الأسباب يقدح في التوكل، وأن نفيها تمام توكل. يعني لو تُرِكَ الناظر وشأنه لتوصل بعقله أن الأسباب تقدح في التوكل لأن التوكل حقيقته ماذا؟ الاعتماد والتفويض، تفويض العبد ربه جل وعلا، حينئذٍ [أيهما] بادي الرأي أيهما أقرب إلى التوكل أن يجعل بينه وبين ربه شيئًا من المخلوقات أو أن لا يكون؟ أن لا يكون، فنظر بعض من نظر فقال: إذًا الأسباب لا وجود لها. لماذا؟ [لأنها] لأن نفيها يجعل الوصلة بين قلب العبد وربه مباشرةً بدون واسطة ماذا؟ مخلوقات لأن الأسباب هذه مخلوقة، حينئذٍ نفوا الأسباب، ولذلك قال ابن القيم: وهذا عكس ما يظهر في بادي الرأي أن إثبات الأسباب يقدح في التوكل، وليس الأمر كذلك، بل إثبات الأسباب من تمام التوكل، لكن كما مر معنا مرارًا لا يعتمد على السبب فرق بين إثبات السبب وبين الاعتماد على السبب، الاعتماد على السبب بمعنى أنه يقف معه ويلاحظه ويطلبه ويسعد في تحصيله ناسيًا ماذا؟ الْمُسَبِّب الحقيقي وهو الله عز وجل، كما قلنا البارحة في شأن النعمة. قال: أن إثبات الأسباب يقدح في التوكل وأن نفيها تمام التوكل. هذا القول ليس بصواب. فاعلم أن نفاة الأسباب لا يستقيم لهم توكلٌ البتة، لا يستقيم لنفاة الأسباب توكلٌ البتة، لماذا؟ لأن التوكل سببٌ فإذا نفوا الأسباب نفوا التوكل، لأن التوكل الاعتماد والتفويض على الله تعالى في حصول المطلوب ودفع المكروه. إذًا التوكل في نفسه يُعتبر سببًا، فإذا نفوا الأسباب حينئذٍ نفوا التوكل معه، ولذلك قال: فاعلم أن نفاة الأسباب لا يستقيم لهم توكلٌ البتة، لأن التوكل نفسه من أعظم الأسباب في حصول المتوكل فيه، فكيف ينفون الأسباب؟ هذا تعارض بين الأمرين، إثبات التوكل إثبات للسبب، ونفي الأسباب والسبب ننفي للتوكل، فلا يستقيم فهو كالدعاء، التوكل كالدعاء الذي جعله الله سببًا في حصول المدعو به، حينئذٍ الدعاء سبب، والتوكل سبب فنفاة الأسباب حينئذٍ كيف يدعون ربهم؟ وقد أتوا بالسبب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت