فهرس الكتاب

الصفحة 1387 من 2014

فالتوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب، ويندفع بها المكروه. هكذا قال رحمه الله تعالى. فمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل. لا يستقيم منه بل هو مدخولٌ، بل لا يقوم أصلًا، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أعظم المتوكلين، ومع ذلك كان يأخذ بالأسباب، ولا ينقص ذلك من توكله شيئًا البتة. قد كان يأخذ الزاد في السفر، وهذا من الأسباب، وفي أحد ظاهر بين درعين يعني لبس درعين اثنين وهذا سببٌ ولم ينقص من اعتماده توكل على الباري جل وعلا، وكذلك في الهجرة أخذ من يدله على الطريق وهذا سببٌ، وكان يتقي الحر والبرد كذلك وهذا من الأسباب، ولم ينقص ذلك من توكله شيئًا البتة، حينئذٍ حال النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أعظم المتوكلين يدل على أن الأخذ بالأسباب هو داخل في مفهوم التوكل، فمن نفاه حينئذٍ نفى التوكل، ولكن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب. لا يتم التوكل على الوجه الصحيح إلا إذا أخذ بالسبب على أنه سبب، بمعنى أن الْمُسَبِّب الحقيقي هو الله عز وجل، فيتعلق السبب بهذا بظاهره لا بباطنه، يعني القلب لا يكون التفات إلى السبب بالمرة، وإنما يأخذ السبب ظاهرًا، فمن نفي السبب وأراد به تعلق الباطن أصاب، وإن نفى السبب وأراد تعلق الظاهر أخطأ، حينئذٍ الأسباب تُرفض من حيث تعلق القلب بها، ولكن يجب الأخذ بها على جهة الإجمال فيما يتعلق بالظاهر.

إذًا من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب، وقطع علاقة القلب بها. القلب لا يتعلق بالأسباب ولا يعتمد عليها ولا يلتفت إليها، وإنما يعتمد على خالق السبب والمسبَّب، فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها، وحال بدنه قيامه بها.

إذًا ثَمَّ تفصيلٌ في التعامل مع الأسباب. وهذا كلامٌ جميل من ابن القيم رحمه الله تعالى، يعني ما أحوج طالب العلم إلى تحقيق هذه المنازل والمراتب، يعني الأسباب على جهة العموم لنا فيها نظران:

-نظر باعتبار القلب.

-ونظر باعتبار التلبس الظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت