هذا لا إشكال فيه أنه من تمام التوكل، وأما أن يكون القلب متعلِّقًا بها فهذا منافٍ للتوكل، لأنه هو الذي سيأتي أنه اعتماد على السبب، فمجرد التفات القلب إلى هذا السبب حينئذٍ نقول: هذا يخدش في التوكل، وهو نوع من الشرك الأصغر كما سيأتي. إذًا عدم الركون إلى الأسباب هذا من تمام التوكل، وقطع علاقة القلب بها، فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها، يعني حال القلب لا يقوم إلا بالله تعالى، وأما الأسباب فلا مجال لها أن تدخل القلب، إنما يتعامل معها في الظاهر، ولذلك قيل: من الفوارق بين السلف وبين الخلف، السلف الصحابة ومن تبعهم كان منهم من هو تاجرٌ وعندهم المال الكثير ولكن الخلف قد يكن عنده كذلك لكن تعلق بالدنيا، قالوا: أن السلف كانوا كانت الدنيا في أيديهم، المال كان في أيديهم وليس في قلوبهم، والعكس هو الذي عليه المتأخرين إلا من رحم ربك، فإذا [جعل القلب] جعل المال في قلبه هنا جاء الخلل، فإذا جعل كل أمر يتعلق بالدنيا في قلبه هنا جاء الخلل، وإنما يجعلها في يده يتعامل بها أمرًا ظاهرًا، وأما القلب فلا يقوم به إلا الله تعالى وما يتعلق به. ولذلك قال: فيكون حال قلبه - يعني قلبه يكون على أي حال على أي وضعٍ - قيامه بالله فقط. لا بها لا بالأسباب. وحال بدنه يعني الظاهر قيامه بها - يعني بالأسباب - فالأسباب محل حكمة الله وأمره ودينه والتوكل. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: والتوكل متعلقٌ بربوبيته وقضائه وقدره - كما قلنا فيما سبق - فلا تقوم عبودية الأسباب إلا على ساق التوكل، ولا يقوم ساق التوكل إلا على قدم العبودية. فهي متلازمة هذه.
الدرجة الثانية: وهي إثبات في الأسباب والمسببات.
الدرجة الثالثة: رسوخ القلب في مقام توحيد التوكل، فإنه لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده. يعني يحقق باب التوحيد لأنه لا يمكن أن يكون التفات القلب إلى غير الله تعالى في جلب نفعٍ أو دفع ضر ثم يتحقق التوكل، هذا عنده خدش في ماذا؟ في التوحيد، فلا يستقيم القلب مع التوكل حتى يتجرد لله تعالى ويقوم به الإخلاص على وجه الكمال، فإنه لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده، بل حقيقة التوكل توحيد القلب، فما دامت فيه علائق الشرك فتوكله معلول مدخول. وهو كذلك لأنه إذا لم يفرد تعلق القلب من جهة الإخلاص وعدمه كيف يفوض أمره، حينئذٍ نقول: ثَمَّ تنازع، أتخذ إله من دون الله تعالى كيف يفوض أمره؟ يحصل التعدد [وهذا] فيكون توكله معلولًا مدخلًا، وعلى قدر تجريد التوحيد تكون صحة التوكل، فإن العبد متى التفت إلى غير الله أخذ ذلك الالتفات شعبةً من شعب قلبه فنقص من توكله على الله بقدر ذهاب تلك الشعبة.
ومن ها هنا ظن من ظن أن التوكل لا يصح إلا برفض الأسباب، يعني التفات القلب إلى غير الله تعالى، حينئذٍ غير الله تعالى قد يكون من الأسباب، أليس كذلك؟ قد يكون من الأسباب. إذًا قالوا: لا يمكن أن يرسخ التوكل إلا في قلبٍ تجرد للتوحيد والإخلاص، وهذا الالتفات منافٍ لتجريد التوحيد، فنفوا ماذا؟ نفوا الأسباب، وقلنا: بادئ الرأي قد يقتضي ذلك.