فهرس الكتاب

الصفحة 1389 من 2014

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن ها هنا ظَنَّ مَنْ ظَنَّ أن التوكل لا يصح إلا برفض الأسباب وهذا حقٌ، لكن رفضها عن القلب لا عن الجوارح. رفضها عن القلب لا عن الجوارح، لماذا؟ لأنه إذا التفت إلى السبب بقلبه فقد وُجِدَ فيه شعبةٌ من شعب الشرك، قل أم كثر، لِمَاذا؟ لأن الأصل ألا يقوم في القلب إلا الله عز وجل، ولا يتعلق القلب البتة لا في جلب نفعٍ ولا في دفع ضُرٍّ ألا بالله عز وجل، فإذا التفت إلى الأسباب حينئذٍ وقع في نوع من الشرك. فيقول: رفض الأسباب هذه الجملة فيها إجمالٌ، لا ترد مطلقًا ولا تقبل مطلقًا، إنما نقول: ترفض الأسباب ثم نفصل، نقول: هذه إن كان المراد بها رفضها من القلب فحينئذٍ يكون هذا حقًّا، وأما الجوارح فلا. قال: وهذا حقٌّ لكن رفضها عن القلب لا عن الجوارح، فالتوكل لا يتم إلا برفض الأسباب عن القلب وتعلق الجوارح بها. إذًا لا بد من أمرين تعلُّق وهذا مختص بالجوارح، يعني تَلَبُّس ورفضٌ، وهذا يتعلق بالقلب، فيكون منقطعًا منها متصلًا بها فيكون منقطعًا منها يعني بقلبه، متصلًا بها بجوارحه. والله المستعان.

الدرجة الرابعة: اعتماد القلب على الله واستناده إليه وسكونه إليه بحيث لا يبقى فيه إضطرابٌ من تشويش الأسباب ولا سكون إليها، بل يخلع السكون إليها من قلبه، ويُلْبِسُهُ السكون إلى مُسَبِّبُهَا.

وهذا جعل له علامة رحمه الله تعالى المراد أن عدم الالتفات إلى السبب قد يكون ثَمَّ منزلة بين المنزلتين:

-إما أن يلتفت على وجه التمام إلى السبب، وهذا عرفنا فيما سبق أنه قادح، لكن قد يبقى فيه شيء من الاضطراب والتشويش، أراد بهذه الدرجة أن ينفي أدنى ما يمكن أن يكون ثم تعلُّق بالأسباب، فقال: اعتماد القلب على الله واستناده إليه وسكونه إليه، بحيث - هنا للتفصيل، الباء هنا للتصوير - بحيث لا يبقى فيه في القلب اضطرابٌ من تشويش الأسباب ولا سكونٌ إليها، بل يخلع السكون إليها من قلبه ويلبسه السكون إلى مسبِّبُها وهو الله عز وجل. وعلامة هذا أنه لا يُبالي بإقبالها وإدبارها، ولا يضطرب قلبه ويخفق عند إدبار ما يحب منها، وإقبال من يكره لأن اعتماده على الله، وسكونه إليه واستناده إليه. يعني لا يفرح بها إن وافقت هواه ولا يحزن إن ذهبت عنه، فلا يفرح لا بالإقبال ولا بالإدبار.

الدرجة الخامسة: حسن الظن بالله عز وجل، فعلى قدر حسن ظنك بربك ورجائك له يكون توكلك عليه. ولذلك فسر بعضهم التوكل بحسن الظن بالله. يعني ما هو التوكل؟ قال: حسن الظن بالله.

والتحقيق - قال ابن القيم: والتحقيق أن حسن الظن بالله تعالى يدعو إلى التوكل عليه. يعني هو السببٌ الموجبٌ للتوكل، إذا أحسن الظن بربه توكل عليه، وأما إذا كان لا يحسن الظن أو عنده شك وتردد فحينئذٍ كيف يتوكل عليه فهو منافٍ لهم. إذ لا يتصور التوكل على من ساء ظنه بالله تعالى. وهذا واضحٌ بَيّن، ولا التوكل على من لا ترجوه، إذ لا يُتصور التوكل على من ساء ظنك به، ولا التوكل على من لا ترجوه. إذًا حسن الظن بالباري جل وعلا داخلٌ في مفهوم التوكل، فأحسن الظن بربك حينئذٍ يتحقق لك التوكل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت