فهرس الكتاب

الصفحة 1390 من 2014

الدرجة السادسة: استسلام القلب له وانجذاب دواعيه كلها إليه، وقطع منازعاته، يعني ألا يكون القلب مستسلمًا لأحدٍ إلا لله تعالى، امتثالًا لأوامره واجتنابًا لنواهيه، فالاستسلام كتسليم العبد الذليل نفسه لسيده وانقياده له وترك منازعات نفسه. يعني ألا يكون في النفس شيءٌ يُنازع أحكام الباري جل وعلا، سواء كانت الأحكام الشرعية أم كانت الأحكام الكونية، فالاستسلام كتسليم العبد الذليل نفسه لسيده، وانقياده له وترك منازعاتٍ نفسه وإرادتها مع سيده.

الدرجة السابعة: التفويض وهو روح التوكل ولبُّه وحقيقته وهو إلقاء أموره كلها إلى الله، وإنزالها به طلبًا واختيارًا، لا كرهًا واضطرارًا. فإذا وضع قدمه في هذه الدرجة انتقل منها إلى درجة الرضا، وهي ثمرة التوكل، فإنه إذا توكل حق التوكل رضي بما يفعله وكيله، فيرضى عن الله تعالى من كل وجهٍ شرعًا وقدرًا.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: المقدور يكتنفه أمران - يعني ما قدره الله تعالى - يكتنفه أمران:

-التوكل قبله، قبل وقوعه وحلوله.

والرضا بعده. تتوكل على الله تعالى مع الأخذ بالأسباب، وإذا وقع الشيء حينئذٍ رضي عن الله تعالى، فمن توكل على الله قبل الفعل ورضي بالمقضي له بعد الفعل فقد قام بالعبودية.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ففي استكمال هذه الدرجات الثمان - هو عدها سبعة لكن لعله جعل الرضا الثامنة - ففي استكمال هذه الدرجات الثمان يستكمل العبد مقام التوكل، وثبتت قدمه فيه، وهذا معنى قول بشرٍ الحافي يقول أحدهم: توكلت على الله يكذب على الله، لو توكل على الله لرضي بما يفعله الله، أو بما يفعل الله به. توكلت على الله ليست مجرد دعوى. يكذب على الله لو توكل على الله لرضي بما يفعله الله به. وقول يحيى بن معاذ وقد سأل متى يكون الرجل متوكلًا؟ متى؟ فقال: إن رضي بالله وكيلًا. يعني يفوض أمره وشأنه إليه. [قال ابن السعدي رحمه الله تعالى] . انتهى كلام ابن القيم.

قال ابن السعدي رحمه الله تعالى: فحقيقة التوكل على الله أن يعلم العبد أن الأمر كله لله. - إذًا لا بد من العلم والمعرفة - وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه هو النافع الضار المعطي المانع. وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، فبعد هذا العلم - الذي هو متعلق بربوبية الباري جل وعلا - فبعد هذا العلم يعتمد بقلبه على ربه في جلب مصالح دينه ودنياه، وفي دفع المضار، ويثق غاية الوثوق بربه في حصول مطلوبه وهو مع هذا باذلٌ جهده في فعل الأسباب النافعة، فمتى استدام العبد هذا العلم وهذا الاعتماد والثقة فهو المتوكل على الله حقيقةً.

وهذا يوافق ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى أن حقيقة التوكل حالٌ مركبةٌ من أمورٍ وليس بشيء واحد، تفويض واعتماد فحسب، لا، وإنما هو مركب من الأمور المذكورة.

وباختصارٍ يمكن أن يقال: أن التوكل هو صدق اعتماد القلب على الله في جلب ما ينفع ودفع ما يضر، مع الثقة به سبحانه، وفعل الأسباب الصحيحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت