وفي الأثر أن القيام بالأسباب مع التوكل على الله لا يتنافيان، كما مر معنا.
وفيه أن الآية دليل على أن الإيمان يزيد وينقص.
وأن ما يكرهه الإنسان قد يكون خيرًا له وهو كذلك.
وأن التوكل أعظم الأسباب في حصول الخير ودفع الشر في الدنيا والآخرة. ومر معنا ذلك مرارًا.
[قال المصنف رحمه الله تعالى] . إذًا وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قالوا له: ... ( {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ} ) . ( {قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} ) أي الركب ( {إِنَّ النَّاسَ} ) أراد به أبا سفيان ومن معه ( {قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا} ) فدل على أن هذا عملٌ وهو قول باللسان وهو داخل في مسمى الإيمان والإيمان يزيد وينقص.
(فيه مسائل:
الأولى: أن التوكل من الفرائض). لقوله: ( {فَتَوَكَّلُواْ} ) . هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، ثم علَّقَه بماذا؟ بوجود الإيمان، دل على أنه فرض، يعني يستدل بأمرين إذا جعلنا ثَمَّ فرقًا بين الفرض والواجب فهو أحسن في هذا المقام كما تقول في الصلاة مثلًا، الصلاة تقول: فرائض وواجبات. لا تقل: الصواب عند الأصوليين أن الفرض هو الواجب. لا هنا البحث في ماذا؟ في مصطلح الفقهاء لا بد أن تفرق لأنك إذا حكمتَ أن هذا ركن حينئذٍ يفوت تفوت الصلاة بفواتها، [وإذا] عمدًا أو سهوًا لا فرق، وإذا حكمت بأنه واجب حينئذٍ فرق بين السهو والعمد، الحكم يختلف. ولا يقال بأن المرجح عند الأصوليين كذا وكذا، قد يختلف في بعض المواضع ليست بالكثيرة اصطلاح الأصوليين والفقهاء، فهنا التوكل من الفرائض يعني من الواجبات وزيادة، ( {فَتَوَكَّلُواْ} ) دل على الوجوب، ثم أنه فريضة، يعني يفوت الإيمان بفواته علَّقَه على شرطٍ ( {وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} ) ، إن كنتم مؤمنين فتوكلوا مفهومه مفهوم شرط المخالفة أنه عند عدم وجوده انتفى الإيمان.
(الثانية: أنه من شروط الإيمان) .هذا تصريح بما سبق لقوله: ( {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} ) . فجعله شرطًا في حصول الإيمان.
(الثالثة: تفسير آية الأنفال) . ( {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} ) الآية، والشاهد قوله: ( {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} ) . على ربهم لا على غيره يتوكلون، ولذلك جاء بصيغة المضارعة الدالة على الاستمرار، التوكل لا يكون في الماضي ثم ينتفي، وقوله: ( {الْمُؤْمِنُونَ} ) . الإيمان الكامل.
(الرابعة: تفسير الآية في آخرها) . (آخرها) يعني آخر سورة الأنفال، وهي ( {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ) أي الله كافيك وكافي من اتبعك.
(الخامسة) وهي ماذا؟ (تفسير آية الطلاق) وهي ( {فَهُوَ حَسْبُهُ} ) فهي ( {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} ) أي كافيه.
(السادسة: عظم شأن هذه الكلمة) ما هي؟ حسبنا الله ونعم الوكيل، (وأنها قول إبراهيم عليه السلام ومحمد - صلى الله عليه وسلم - في الشدائد) ، حسبنا الله ونعم الوكيل معناها كافينا هو كافينا الله عز وجل، ونعم الوكيل هو سبحانه، وكيل فعيل بمعنى مفعول، والله أعلم.
وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.