قوله: (قال: حسبنا الله ونعم الوكيل) . (حسبنا الله) أي كافينا، فلا نتوكل إلا عليه، قال تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36] . (حسبنا) مبتدأ، و (الله) خبره، (ونعم الوكيل) أي نعم الموكول إليه المتوكل عليه، ومرّ معنا كلام صاحب (( المفردات ) ): وكيل فَعِيل بمعنى مفعول مُوْكُولٌ إليه، (ونعم) فعل ماضي، و (الوكيل) فاعل، والمخصوص محذوف تقديره هو أي الله، (نعم الوكيل) هو أي الله عز وجل، فهو سبحانه حسب من توكل عليه وكافي من لجأ إليه، (قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار) ، وفي رواية: (كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار حسبنا الله ونعم الوكيل) . رواه البخاري، وذلك لَمَّا دعا قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له فأبوا، فكسر أصنامهم فجمعوا له حطبًا وأضرموا له نارًا ورموه بالمنجنيق. [قالوا حر نعم] كما جاء في قوله تعالى: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 68] . فأعرضه جبريل في الهواء فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، حسبنا الله ونعم الوكيل. قالها إبراهيم حين أُلْقِيَ في النار فقال الله تعالى للنار: {كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} [الأنبياء: 69، 70] . وقول ابن عباس هنا (قالها إبراهيم) هذا له حكم الرفع لأنه [ليس من] ليس مما يكون من قبيل الرأي، خاصةً إذا قرنه بما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويؤيده جزمه بذلك وقرنه لما قاله الرسول - صلى الله عليه وسلم -. قوله: (وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم -) . وذلك بعد منصرف قريش والأحزاب من أُحُد فمر بهم ركب من عبد القيس فقالوا: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة. قالوا: هل أنتم مبلغون عنا محمدًا رسالة؟ تبلغوا الرسالة، قالوا: نعم. قالوا: فإذا وافيتموه فأخبروه - أخبروا محمد - صلى الله عليه وسلم - أنا قد أجمعنا السير إليه عزمنا، أجمع بمعنى عَزَمَ، أنا قد أجمعنا السير إليه، وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم. فمر الركب برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بحمراء الأسد [تعرفونها] ؟ حمراء الأسد خارجًا لقتالهم في سبعين راكبًا منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير وسعد وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وأبو عبيدة لما بلغه أن أبا سفيان ومن معه قد أجمعوا الكَرَّة عليهم فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه. فقال: «حسبنا الله ونعم الوكيل» . قالها محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقالها مَنْ؟ إبراهيم عليه السلام، فقال: «حسبنا الله ونعم الوكيل» . {فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} [آل عمران: 174] ، ورد الله كيد أبي سفيان وأُلْقِيَ الرعب في قلبه فرجع إلى مكة.
في هاتين القصتين فضل هذه الكلمة العظيمة، وأنها قول إبراهيم ومحمد عليهم الصلاة والسلام.
وبهذا يظهر مناسبة الأثر للباب: إذ فيه هذه الكلمة التي هي كلمة التفويض والاعتماد على الله، وهو كذلك، وهي الكلمة التي تقال عند الكروب والشدائد وهي تدل على التوكل على الله في دفع كيد الأعداء.