مناسبة الباب للتوحيد لكتاب التوحيد أراد المصنف رحمه الله تعالى بهذا الباب التنبيه على أن الأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله من أعظم الذنوب، وذكر كبيرتين من أعظم الكبائر وهما: الأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله. وأن كل منهما يُنافي كمال التوحيد، قد ينافي التوحيد من أصله، وقد ينافي كمال التوحيد. وأن يجب على المسلم أن يجمع بين الخوف والرجاء، ومرّ معنا بابٌ يتعلق بالمحبة وبابٌ يتعلق بالخوف وهذا أشبه ما يكون بما يتعلق بالرجاء، ليدل على أن المسلم يجب عليه شرعًا وجوبًا أن يجمع بين المنزلتين منزلة الخوف والرجاء، فلا يُغَلِّبُ الخوف على الرجاء ولا العكس، وسبق بيان حقيقة الخوف، وأما الرجاء فنقول فيه قول موجزًا، قال في (( المفردات ) ): الرجاء ظنٌ يقتضي حصول ما فيه مسرة ظنٌّ. إذًا هو محله القلب، وهذه أعمال القلوب ظنٌّ يقتضي حصول ما فيه مسرة. وقوله تعالى: {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} [نوح: 13] قيل: ما لكم لا تخافون. يعني أُطلق الخوف بمعنى الرجاء والعكس كذلك، ... {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} ما لكم لا تخافون حينئذٍ فُسِّر الرجاء هنا بالخوف، ووجه ذلك أن الرجاء والخوف يتلازمان كل منهما ملازم للآخر، لا يوجد الخوف الصحيح إلا مع الرجاء، ولا يوجد الرجاء الصحيح إلا مع الخوف، ووجه ذلك أن الرجاء والخوف يتلازمان قال تعالى: ... {وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ} [النساء: 104] فالرجاء حادٍ، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: الرجاء حادٍ يحدوا القلوب إلى بلاد المحبوب وهو الله جل وعلا والدار الآخرة ويُطَيِّبُ لها السير. والفرق بين الرجاء والتمني أن التمني يكون مع الكسل يعني وعمل القلب لكن يكون مع الكسل، التمني يكون مع الكسل، ولا يسلك بصاحبه طريق الجد والاجتهاد. والرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل، أي كل منهما عملٌ قلبيٌ إلا أن التمني لا يكون معه بذل جهد إنما يكون مع الكسل والتراخي، وأما الرجاء فلا بد من بذل الجهد. قال ابن القيم: ولهذا أجمع العارفون على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل، لا يصح أن يقال هذا راجٍ إلا مع العمل، وأما دون عمل فهو تمني لأنه يكون كسلًا، فعلامة صحة الرجاء حسن الطاعة. قال تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] ، {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا} إذًا عند عدم العمل الصالح يدل على انتفاء الرجاء. إذًا علامة صحة الرجاء هو العمل وحسن الطاعة، فإذا لم يكن عملٌ ولا حسن طاعةٍ فحينئذٍ انتفى الرجاء. قال رحمه الله تعالى: والرجاء ثلاثة أنواع:
نوعان محمودان، ونوعٌ غرورٌ مذموم. يعني منه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم كالخوف منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم، والتوكل منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم.