فالأولان يعني المحمودان رجاء رجلٍ عمل بطاعة الله على نورٍ من الله فهو راجٍ لثوابه، يعني هذا نشأ على الاستقامة ولم يقع منه ذنبٌ، إما يستشعره من نفسه فعمل بطاعة الله على نورٍ من الله فهو راجٍ لثوابه، ورجل أذنب ذنوبًا ثم تاب منها فهو راجي لمغفرة الله تعالى وعفوه وإحسانه وجوده وحلمه وكرمه. إذًا إما رجلٌ يعمل صالحًا ويعمل بطاعة الله تعالى فهو يرجوا ثواب الله تعالى وما عنده من كرمٍ، ورجل أذنب ذنوبًا فهو يرجو رحمت ربه ومغفرة ربه.
والثالث النوع الثالث المذموم: رجلٌ متمادٍ في التفريق والخطايا يعني ليس ثَمَّ ما يدل على صحة رجائه، علمنا أن صحة الرجاء إنما يدل عليها حسن الطاعة والعمل هذا متمادٍ في التفريق والخطايا يرجو رحمة الله بلا عمل حينئذٍ يكون رجائه مجرد دعوى، فهذه هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب، لا يقبل دعواه في ذلك.
سئل أحمد بن عاصم ما علامة الرجاء في العبد؟ قال: أن يكون إذا أحاط به الإحسان أُلْهِمَ الشكر إذًا عمل الطاعة جاءته النعمة فشكر الله تعالى. إذًا وُجِدَ العمل راجيًا لتمام النعمة من الله عليه في الدنيا والآخرة وتمام عفوه عنه في الآخرة، فحينئذٍ وُجِدَ منه ما يدل على صحة رجائه.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: الرجاء من أجل المنازل وأعلاها وأشرفها، وعليه وعلى الحب والخوف مدار السير إلى الله تعالى. ومر معنا ذلك أن العبادة لا تكون قائمة أو أن أساس التعبد لله تعالى إنما هو غاية الحب مع غاية الذل، وقد مدح الله تعالى أهله وأثنى عليهم، ثم قال رحمه الله تعالى: وعلى حسب المحبة وقوتها يكون الرجاء بمعنى أن ثم تلازم بين المحبة والرجاء، فيزداد الرجاء بازدياد المحبة والعكس بالعكس، فكل محبٍ راجٍ خائفٌ بالضرورة، اجتمعت فيه ثلاثة الأركان في صحة التعبد لله تعالى، فكل محبٍّ راجٍ خائفٌ بالضرورة فهو أرجى ما يكون لحبيبه أحب ما يكون إليه، وكذلك خوفه فإنه يخافه سقوطه من عينه وطرد محبوبه له وإبعاده واحتجابه وطرد محبوبه له وإبعاده واحتجابه عنه، وخوفه أشد خوفٍ، ورجائه ذاتيٌ للمحبة، فإنه يرجوه قبل لقائه والوصول إليه، فإذا لقيه ووصل إليه اشتد الرجاء له، لما يحصل له به من حياة روحه ونعيم قلبه من ألطاف محبوبه وبره وإقباله عليه، ونظره إليه بعين الرضا وتأهيله في محبته وغير ذلك مما لا حياة للمحب ولا نعيم ولا فوز إلا بوصوله إلى محبوبه، فرجاؤه أعظم رجاءٍ وأتمه.