ثم قال رحمه الله تعالى: فكل محبةٍ فهي مصحوبة بالخوف والرجاء، بل لا تكون المحبة صحيحة إلا إذا لزم منها أو تفرع عنها الخوف والرجاء، وعلى قدر تمكنها من قلب المحبِّ يشتد خوفه ورجاؤه. ثم قال رحمه الله تعالى: وبالجملة فالرجاء ضروري للمسلم لو فارقه لحظةً لتلف أو كاد، فإنه دائرٌ بين ذنبٍ يرجو غفرانه يعني المسلم له أحوالٌ: إما أن يكون مذنبًا، وإما أن يكون غير ذلك، فإنه دائر بين ذنبٍ يرجو غفرانه، وعيبٍ يرجو إصلاحه وعملٍ صالحٍ يرجو قبوله، واستقامةٍ يرجو حصولها ودوامها، وقربٍ من الله ومنزلة عنده يرجو وصوله إليها، ولا ينفك أحدٌ من السالكين عن هذه الأمور أو بعضها. ثم قال: والرجاء من الأسباب التي ينال بها العبد ما يرجوه من ربه، بل هو من أقوى الأسباب. حينئذٍ من لم يجعل للأسباب منزلةً - كما مر في التوكل - حينئذٍ لا يتم عنده الرجاء البتة.
إذًا مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد أراد المصنف أن يبين أن ثَمَّ ترابط بين الرجاء والخوف، وأنه لا يصح كمال التعبد لله تعالى إلا أن يجمع للمسلم إلا أن يجمع بين الخوف والرجاء، فأراد بهذه الترجمة التنبيه على الجمع بين مقام الرجاء والخوف إذ المؤمن يسير إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء كما دل على ذلك الكتاب والسنة وأجمع عليه سلف الأمة، فلا يُغَلِّبُ جانب الرجاء حينئذٍ يأمن مكر الله، ولا يغلب جانب الخوف فييأس من روح الله تعالى. قال بعض السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمنٌ موحدٌ. وقد مر شرح هذه الجملة. وهذا هو مقام الأنبياء والصديقين كما قال تعالى: ... {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 57] فجمع بين الأمرين، قوله: {يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ} وهذا هو الرجاء ... {وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} وهذا هو الخوف، والواو هنا لمطلق الجمع. وذكر الوسيلة وهي التقرب إليه جل وعلا حينئذٍ ذكر أركان التعبد الثلاثة، وهي: المحبة، والخوف، والرجاء. فابتغاء الوسيلة إليه هو التقرب بحبه وطاعته، ثم ذكر الرجاء والخوف وهذه أركان الإيمان، أركان التعبد لله تعالى، وكلما قَوِيَ إيمان العبد ويقينه قَوِيَ خوفه ورجاؤه مطلقًا، فهذه أعمال القلوب متلازمة وبعضها ينبني على بعض. قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [فاطر: 28] ، وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 57: 60] ومر قول عائشة رضي الله تعالى عنها أنه قالت: يا رسول الله هو الرجل يزني ويسرق ويخاف أن يُعاقَب؟ قال: ( «لا يا ابنة الصديق هو الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه» ) . رواه أحمد والترمذي والحاكم وصححه.