فهرس الكتاب

الصفحة 1409 من 2014

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: والخوف من أجل منازل الطريق، وخوف الخاصة أعظم من خوف العامة. خوف الخاصة يعني أهل العلم أعظم من خوف العامة، ثَمَّ فرق بين النوعين، وعرفنا فيما سبق أن الإيمان الذي يكون على بصيرة ليس كالإيمان الذي يكون عن تقليدٍ، كذلك الخوف الذي يكون عن بصيرة ليس كالخوف الذي يكون عن تقليدٍ، فإيمان الخاصة لا شك أنه أقوى من إيمان العامة، وكل عمل القلبي للخاصة فهو أشد وأمكن من العمل القلبي عند العامة، فخوف الخاصة أعظم من خوف العامة وهم إليه أحوج وهو بهم أليق ولهم ألزم، فإن العبد إما أن يكون مستقيمًا أو مائلًا عن الاستقامة، يعني أراد أن يبين أثر الخوف على العبد، فالعبد إما أن يكون مستقيمًا على طاعة الله تعالى، وإما أن يكون عنده شيء من الانحراف، فما علاقة الخوف بكلٍ منهما، فإن كان مائل عن الاستقامة فخوف من العقوبة على ميله لأنه قد مال، ولا يصح الإيمان إلا بهذا الخوف، فحال الإنسان إذا كان مائلًا عن الاستقامة حينئذٍ خوفه يكون من أن تنزل به وتحل به عقوبة الباري جل وعلا، ولا يصح الإيمان إلا بهذا الخوف وهو يَنْشَأُ من ثلاثة أمور لا يتم له الخوف من العقوبة عند ميلانه عن الاستقامة إلا بثلاثة أمور:

أحدها: معرفته بالجناية وقبحها. يعني الذم الذي لا يعرف أنه قد وقع في ذم كيف يخشى العقوبة؟ فلا بد أن يعرف أولًا هذه الجناية وقبحها عند ربه جل وعلا.

الثاني: تصديق الوعيد يعني ما رتبه الله جل وعلا على ذلك الذمّ وأن الله رتب على المعصية عقوبتها.

الثالث: أنه لا يعلم لعله يمنع من التوبة ويحال بينه وبينها إذا اكتسب الذنب، حينئذٍ إذا حصلت عنده هذه الأمور الثلاثة أولًا معرفته بالذنب وقبحه، وثانيًا تصديقه بالوعيد يعني العقوبة التي رُتِّبَتْ على ذلك الذم، ثالثًا أنه قد يُحْجَبُ عن التوبة، قد يموت وهو على ذنبه، قد يمكن لكنه لا يتوب حينئذٍ هذه الأمور الثلاثة تستوجب الخوف من الله تعالى، فبهذه الأمور الثلاثة يتم له الخوف، وبحسب قوتها وضعفها يكون قوة الخوف وضعفه، هذا قبل الذنب، فإذا عمله كان خوفه أشد، ولا شك في ذلك. حينئذٍ الخوف قد يكون مانعًا [وقد يكون] وذلك قبل الذنب، وقد يكون ماذا؟ قد يكون بعد الذم خوفًا من حلول العقوبة به، وبالجملة: فمن استقر في قلبه ذكر الدار الآخرة وجزائها وذكر المعصية والتوعد عليها وعدم الوثوق بإتيانه بالتوبة النصوح هاج من قلبه الخوف، هاج من قلبه من الخوف ما لا يملكه ولا يفارقه حتى ينجو، وأما إن كان مستقيمًا مع الله حينئذٍ قد لا يكون عنده شيءٌ مما يخافه من الذنب، فخوفه يكون مع جريان الأنفاس كذلك لا يفارقه الخوف ولو كان مستقيمًا لعلمه بأن الله تعالى مقلب القلوب، وما من قلبٍ إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن عز وجل فإن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه، كما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( «وكانت أكثر يمينه لا ومقلبِ القلوب» ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت