فهرس الكتاب

الصفحة 1410 من 2014

قال ابن السعدي رحمه الله تعالى: مقصود الترجمة أنه يجب على العبد أن يكون خائفًا من الله راجيًا له راغبًا راهبًا جامعًا بين هذه الأعمال العظيمة، إن نظر إلى ذنوبه وعدل الله وشدة عقابه خَشِيَ ربه وخافه، وإن نظر إلى فضله العام والخاص وعفوه الشامل رجا وطَمِع، إن وُفِّقَ لطاعةٍ رجا من ربه تمام النعمة وذلك بقبولها، وخاف من ردها لتقصيره في حقِّها، وإن ابتلي بمعصيةٍ رجا من ربه قَبُول توبته ومحوها وخشي بسبب ضعف التوبة والالتفات الذنب أن يعاقب عليها، وعند النعم واليسار يرجو الله دوامها وزيادة منها والتوفيق لشكرها ويخشى بإخلاله بالشكر من سلبها، إذا لم يشكر قد تُسلب ولو كانت إيمانًا، وعند المكاره والمصائب يرجو الله دفعها وينتظر الفرج لحلها، ويرجو أيضًا أن يُثِيبه الله عليها حين يقوم بوظيفة الصبر ويخشى من اجتماع المصيبتين فوات الأجر المحبوب وحصول الأمر المكروه إذا لم يوفق بالقيام بالصبر الواجب فالمؤمن الموحد في كل أحواله ملازم للخوف والرجاء وهذه هو الواجب وهو النافع وبه تحصل السعادة، فأراد المصنف رحمه الله تعالى أن يُبَيِّن كبيرتين وجودهما في قلب العبد يتعلق به فوات كل ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى، وكذلك الشيخ ابن السعدي رحمه الله تعالى.

وعرفنا أن هذا الباب يشتمل على ذكر كبيرتين من الكبائر، بل من أكبر الكبائر كما جاء في حديث ابن عباس.

الأولى: الأمن من مكر الله.

والثانية: القنوط من رحمة الله تعالى. ولذلك ذكر الآية الأولى للدلالة على الكبيرة الأولى، والآية الثانية للدلالة على الكبيرة الثانية. أما [المكر] الأمن من مكر الله، الأمن ضد الخوف كما كر معنا، والمكر هو صرف الغير عما يقصده بحيلةٍ أن يكون ثَمَّ صرفٌ، ثم يكون مرتبًا على حيلةٍ فيجمع بين الأمرين، ولا يشعر به الخصم إن كان ثَمَّ خصمٌ، حينئذٍ صرف الغير عن ما يقصده بحيلةٍ. قال في (( المفردات ) ): وذلك ضربان: مكر محمود وذلك أن يتحرى بذلك فعل الجميلٍ. يعني صرف الغير عن ما يقصده بحيلةٍ قد يكون لأمرٍ جميل، فيكون المكر محمودًا، وقد يكون لأمرٍ قبيح حينئذٍ يكون المكر مذموم. فإذا كان لفعل الجميل حينئذٍ صار محمودًا وهذا النوع هو الذي يُوصف به الباري جل وعلا، وعلى ذلك قال: {وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54] ومذمومٌ وهو أن يتحرى به فعل قبيحٍ يعني يفعل الحيل ولا يشعر بها الخصم من أجل إيقاعه لكنه يرجو من ذلك أمرًا قبيحًا فيكون حينئذٍ مذمومًا. قال تعالى: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43] إذًا قال: {وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} وصف نفسه بالمكر، وكذلك قال: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} دل ذلك على أن المكر نوعان: منه ما هو مذموم، ومنه ما هو محمود. {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} [الأنفال: 30] وقال في الأمرين {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا} [النمل: 50] ، {مَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا} ، {مَكَرُوا مَكْرًا} هذا محمود أو مذموم؟ مذمومٌ و {وَمَكَرْنَا مَكْرًا} هذا محمود. إذًا جمع بين الأمرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت