فهرس الكتاب

الصفحة 1415 من 2014

وقوله: ( {إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} ) الاستثناء هنا للحصر، وذلك لأن ما قبله مفرغٌ له ( {الْقَوْمُ} ) فاعل، و ( {الْخَاسِرُونَ} ) صفتهم ( {إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} ) . قال: ( {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ} ) إلا بعد لا، دل على الحصر، والاستثناء مفرغ لأن المستثنى منه محذوف وإذا حذف المستثنى منه في سياق النفي حينئذٍ يكون استثناء مفرغًا من أعم الأحوال ... ( {الْقَوْمُ} ) فاعل، و ( {الْخَاسِرُونَ} ) صفتهم. وفي قوله: ( {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللهِ} ) دليل على وصف الله تعالى بالمكر، وهو التوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعرون، والمحمود منه هو الذي يوصف به الباري جل وعلا لأنه يدل على قوة الماكر، وأنه غالبٌ على خصمه، ولذلك لا يوصف الله به على الإطلاق، فلا يقال إن الله ماكر إنما يكون ماذا؟ يمكر بمن مكر به، أو برسله، أو بالصالحين، أو بنحو ذلك، حينئذٍ يكون بالمقابلة لأنه هو الذي يدل على الانتقام فيوصف الله تعالى بالمكر مقيَّدًا لا بالإطلاق، ولا يشتق له منه اسمٌ فلا يقال الماكر لا يقال الماكر. إذًا يوصف الله تعالى بهذه الصفة ولا يوصف به على الإطلاق فيقال: إن الله ماكرٌ، وإنما تذكر هذه الصفة في مقام تكون فيه مدحًا هذا إذا كان بالتقابل، ولا يقال مشاكلة لأن المشاكلة هذه نوع من أنواع المجاز. يُعبر بها ابن القيم أحيانًا لكن قد يُريد بها معنى آخر، لكن المشاكلة نوع من المجاز، بمعنى أنه لا يتصف بالمكر، لكن قابل اللفظ باللفظ فحسب، وأما المعنى فيكون خاليًا، هذا المراد بالمشاكلة، بمعنى أن المكر الذي وصف به القوم على حقيقته، لكن الله تعالى ما مكر بهم وإنما قابل فعلهم بفعل آخر، ولذلك بعضهم يعبر يمكرون فجزآهم الله، يعني جزآهم على ذنبهم بالعقوبة، وهذا ليس هو المكر، وإنما المكر يكون فيه ماذا؟ يكون فيه نوع من الحيلة، يستدرجهم شيئًا فشيئًا كأنه قد رضي عنهم، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، فرق بين المعنيين، كونه جازاهم على مكرهم بمعنى أنه عاقبهم كما يعاقب الزاني والمرابي وغير ذلك، لكن، لا، ليس المراد هذا، وإنما المراد أن الله تعالى استدرجهم شيئًا فشيئًا فأخذوه على غرةٍ كيف أستدرجهم بمعنى أنهم أصروا على المعصية وأعطاهم ما يريدون حينئذٍ أخذهم أخذ عزيز مقتدر {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ} [الأنفال: 30] إذًا ليس من باب التقابل، {وَمَكَرُوا مَكْرًا} ، {مَكْرًا} التنوين للتعظيم يعني مكرًا عظيمًا {وَمَكَرْنَا مَكْرًا} عظيمًا التنوين للتعظيم، ولذلك قال: {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} ومكرنا مكرًا وهم لا يشعرون هذا تأكيد هذا تصريحٌ بما دل عليه اللفظ، وإلا يعني يسمى بدلالة التضمن لأن كونهم لا يشعرون هو معنى الاستدراج وهو معنى المكر، فحينئذٍ يكون تصريحًا بما دل عليه اللفظ، والمكر من صفاته الفعلية لأنها تتعلق بمشيئة الله تعالى.

ففي الآية التحذير من الأمن بمكر الله وأنه من أعظ الذنوب.

ودلت الآية على تحريمه من وجهين:

الوجه الأول: أن الجملة بصيغة الاستفهام الدال على التقريع والتوبيخ والإنكار، الاستفهام دل على التحريم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت