إذا كون المصنف قدَّم المسائل المتعلقة بآية الأنعام على المسائل المتعلقة بآية النساء دليل على أنه أراد ماذا؟ أراد تقديم آية الأنعام على آية النساء، من حيث النظر في المسائل لأنه قال: (التاسعة: عظم شأن ثلاث الآيات المحكمات في سورة الأنعام عند السلف) . وهذا دل على ماذا؟ على أنه قدّم المسألة التاسعة وهي مستنبطة من آية الأنعام على المسألة الحادية عشرة آية سورة النساء التي تُسمَّى آية الحقوق العشرة بدأها الله تعالى بقوله: ... ( {وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} ) . إذا المسألة التاسعة من مسائل هذا الباب متعلقة بآية الأنعام، والمسألة الحادية عشرة هذه متعلقة بآية النساء، إذًا قدَّم ما يُستفاد من آية الأنعام على ما يُستفاد من آية النساء، وهذا يدلّ على ماذا؟ على أنه أراد تقديم آية الأنعام على آية النساء، لكن هذا يُفسده أنه أيضًا قدَّم المسألة المستفادة من آية الأنعام على المسائل المستفادة من سورة الإسراء. قال في (العاشرة: الآيات المحكمات في سورة الإسراء) ، وسبق معنا قولًا واحدًا بين الشراح أن الآية الثالثة هي قوله: ( {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} ) ، ومع ذلك قدم المسألة المستفادة من آية الأنعام على المستفادة من هذه الآية، يؤخذ من هذا أن المصنف في المسائل لا يُراعي ترتيب الآيات السابقة أحيانًا، وإن كان الغالب يكون ترتيب المسائل على ترتيب الآيات، ثُمَّ ما تعلق بالمسألة التاسعة الظاهر أنه أخذه من أثر ابن مسعود وليس من الآيات - معي - لأنه يقول: (عظم شأن ثلاث الآيات المحكمات في سورة الأنعام عند السلف) ، وهذا إنما أخذه من أثر ابن مسعود، لأنه عَظَّمَ هذه الآيات الثلاث. قال: (من أراد أن ينظر إلى وصية محمد - صلى الله عليه وسلم - التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ} ) .. إلى آخر الآيات الثلاث، وهذا يدل على أن المصنف لم يراعي هذا الترتيب، ولذلك يُرجح ما ذهب إليه صاحب (( الفتح ) )من تقديم آية النساء على آية الأنعام، ومراعاة لمناسبة أثر ابن مسعود فإنه متعلق بآية الأنعام.
إذا الآية الرابعة قوله تعالى: ( {وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} ) أغلق القوس هنا، يعني لا تتم الآية بعدها. في (( التيسير ) )أغلق القوس بعد ( {شَيْئًا} ) . وقال: هكذا أُثْبِِتَ في نسخة بخط شيخنا، ولم يذكر الآية، وسكت في (( الفتح ) )يعني لم يذكر هذا ولا هذا.
فالمصنف لم يذكر الآية والشراح كذلك لم يشرحوا بقية الآية، فدل على أن المصنف لم يُرد بقية الآية في المتن، وأما في المسائل فعَنْوَنَ لها بالحقوق العشرة فدل على أنه أشار إليها من حيث الشرح ومن حيث الاستنباط. أما في المسائل فيحتمل أنه أراد البقية حيث قال: في المسألة (الحادية عشرة: آية سورة النساء التي تسمى آية الحقوق العشرة، بدأها الله تعالى بقوله: {واعبدوا الله} ) . دل على أن يحتمل أنه أراد تتمة هذه الحقوق العشرة، فلما قال: (آية الحقوق العشرة) كأنه أراد أن تكمل بقية الحقوق التسعة وهذا أمر محتمل.