إذًا الأولى تقديم هذه الآية على غيرها ( {وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} ) هذه الآية من حيث المناسبة واضحة وبينة وهي كقوله فيما سبق ( {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} ) ، ( {وَاعْبُدُواْ اللهَ} ) اعبدوا هذا فعل أمر مُشتق من عَبَدَ يَعْبُدُ عِبَادَةً، وسبق المراد بالعبادة في اللغة وفي الاصطلاح وفي الشرع، وكلّ أمر ( {وَاعْبُدُواْ اللهَ} ) فسّره بعض أهل التفسير ومنهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يعني وحدوا الله، ولما قال: ( {وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} ) قد يُرجح هذا المعنى في مثل هذه المواضع، في مثل هذه المواضع قد يُرجح بأن المراد بالعبادة هنا على جهة الخصوص التوحيد، لأنه قال: ( {وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} ) لو أطلق لقلنا: الحكم عام، ولكن لما خصه بمقابله يعني ضد التوحيد وهو الشرك حينئذ قد يتعين أن تحمل النص هنا على ... ( {وَاعْبُدُواْ اللهَ} ) يعني وحدوا الله، ( {وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} ) هذا فيه جزءان:
الجزء الأولى: إثبات وهو ( {وَاعْبُدُواْ اللهَ} ) وهو مقابل لقوله (إلا الله) في كلمة التوحيد، لأن الأمر بالعبادة إذا حملت على معنى التوحيد كذلك نفي الشرك حينئذ تكون مقابلة لـ (لا إله إلا الله) فكل معنى أو كل لفظ فيه لفظ التعبد في مثل هذه التراكيب يكون مفسرًا لـ (لا إله إلا الله) كما سيأتي في تفسير التوحيد أن التوحيد له حقيقة شرعية وتفسيرها موقوف على الكتاب والسنة، يعني ليس للعقل فيه مجال ولا للرأي ولا للقياس، وإنما (لا إله إلا الله) الله عز وجل أمر الخلق بها علمًا ونطقًا واعتقادًا وعملًا ونحو ذلك، وبَيَّنَهَا لهم ولم يترك المجال لأحد أن يُدْخِلَ نفسه في بيان التوحيد الذي هو حق الله على العبيد. إذًا ( {وَاعْبُدُواْ اللهَ} ) إثبات في مقابل (إلا الله) من كلمة التوحيد، ( {وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} ) هذا نفي ( {وَلاَ تُشْرِكُواْ} ) إذًا نفي، هو نهي لكنه متضمن للنفي، إذا لنفي إعدام، والنفي والنهي أخوان يشتركان في شيء وينفردان في أشياء، وهو مقابل لقوله: (لا إله) لا إله إلا الله، إذًا هنا قدَّم (إلا الله) إثبات العبادة لله عز وجل وحده، ثم قال: ( {وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} ) .
هذا الجزء الثاني والتحلية هنا مقدمة على التخلية، والمشهور أن التخلية مقدمة على التحلية، وأنا أقول: التخلية والتحلية لا يمكن أن يُقدم أحدهما على الآخر، وإنما تحصل التخلية بالتحلية، والتحلية بالتخلية، فليس بينهما شيء مرتب، ودلالة هذه الآية كدلالة قوله تعالى: ( {أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} ) يعني كما سبق سيأتيه فيما يتعلق بالآيات الثانية، وهي قوله: ( {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} ) إذا المعنى المراد من هذه الآيات هو تحقيق معنى لا إله إلا الله، لا معبود بحق سوى الله عز وجل.