فهرس الكتاب

الصفحة 1482 من 2014

ويفارق الرياء - وهنا صورة الافتراق يفترق الأعم عن الأخص - لكونه عمل عملًا صالحًا أراد به عرضًا من الدنيا، بمعنى أن المرائي يدخل الرياء في ضمن عبادته، وأما هذا النوع فهو يعمل العمل خالصًا بمعنى أن العبادة يتمها على أتم وجهٍ من الإخلاص لكن يكون ثَمَّ غرضٌ آخر يترتب عليه غير ما يترتب على الرياء، فثَمَّ فرق بين الصورتين، فالرياء داخل في ضمن العبادة، وأما إرادة الدنيا بعمله فهذا يكون منفكًا عنه، ولذلك قال: كمن يجاهد ليأخذ مالًا أو يجاهد للمغنم أو غير ذلك، ولهذا جاء في النص بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سماه ماذا؟ سماه عبدًا لذلك، وحينئذٍ [يكون في قلبه تعلقًا] يكون في قلبه تعلقٌ بذلك المال حتى جعله غرضًا له، ولذلك الافتراق بين البابين فيه شيء من العسر، بخلاف المرائي فإنه إنما يعمل ليراه الناس ويعظموه، والذي يعمل لأجل الدراهم أعقل من المرائي بمعنى أن ثَمَّ فرق بين النوعين فمن عمل عملًا أراد به الدنيا. قال الشراح هنا: عمل عملًا صالحًا أراد به عرضًا من الدنيا وهذا يرد السؤال هنا هل هذه النية مصاحبة له في العبادة أم لا؟ أكثر الشراح على أن ثَمَّ فصل بين الصورتين، وهذا لا يكاد أن يتأتى، فمن يجاهد لأجل المال حينئذٍ هل هذه النية مصاحبة للجهاد أم أنها بعده، إن كانت مصاحبة للجهاد من أوله أو في أثنائه فما الفرق بين المرائي والذي يعمل لأجل الدنيا؟ لا فرق، لماذا؟ لأن كل منهما يكون قد أخل بالإخلاص في عبادته سواء كان مرائيًا أو كان مجاهدًا وادَّعَينا بأنه قد عمل صالحًا من كل وجهٍ، ولذلك الفرق بين البابية فيه شيءٌ من العسر، وإنما نقول: أن كل منهما خاسرٌ لأنه قد أراد غير الله تعالى بعبادته، وكل من العبادتين مدخولةٌ من جهة الإخلاص وإن اختلفت المشارب والمأرب بمعنى أن الإرادات تختلف كما قلنا فيما سبق من قول ابن حجر رحمه الله تعالى ليُحمد صاحبه، قلنا: ليس المراد الحمد فحسب، وإنما يترتب عليه أي غرضٍ يرجوه من فعل العبادة، حينئذٍ نقول: قد عَمِلَ هذه العبادة لغرضٍ ما، وهذا الغرض يختلف من زيدٍ إلى آخر، ثم ما يترتب عليه قد يترتب عليه مدح الناس أو غيره. حينئذٍ الفرق بين البابين فيه عسرٌ، فإنه إنما يعمل ليراه الناس ويعظموه، والذي يعمل لأجل الدراهم أعقل من المرائي، هكذا قيل، لأن ذلك يعمل لدنيا يصيبها [أو] ، والمرائي عمل لأجل المدح والجلالة في أعين الناس، وما الفرق بينهما؟ لا فرق من حيث الشرع، وإن سمي هذا مرائيًا، وسمي الآخر مريدًا بعمله الدنيا، هذا أو ذاك، ولذلك فَسَّر بعض السلف الآية التي سيذكرها المصنف رحمه الله تعالى بالمرائي، وهذا لا يمنع كذلك التعميم لأنه على القاعدة السابقة أن السلف إنما يفسرون الآيات في غالب أحوالهم بذكر بعض الأمثلة الداخلة تحت اللفظ العام، وعلى كلٍّ كُلّ منهما مرادف للآخر، والذي يعمل لأجل الدراهم أعقل من المرائي وكلاهما خاسرٌ والعياذ بالله، وبعضهم ذهب إلى أن هذا الباب مستقلٌ من حيث النوع عن الباب السابق، وهذا رجحه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى، هذا الباب نوعًا مستقلًا عن الباب الذي قبله، قال: وهذا هو الظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت